التخطي إلى المحتوى

رواية وريث آل نصران الجزء الثالث للكاتبة فاطمة عبد المنعم الفصل الرابع عشر

شعور مر مرارة العلقم…
وكأنه كُتِب لي فقط
وكأن تجرع مرارته سيبقى نصيبي دائما
وكأن العالم بأسره لا يختار صفي ولكن هناك فقط هي، هناك من تنجح في كل مرة في أسري
هنا علقم وهناك في المدينة التي أسعى لها تقبع هي.
تقبع من تزيل مرارة العلقم.
تقبع من دائما و أبدا ستأسرني برائتها
ودائما و أبدا هي هنا.
لم يأت في بالها حتى في أسوء الكوابيس أن يحدث هذا أبدا، الصدمة قادرة على شل أي مخلوق فماذا تفعل هي!

كانت تموت وهي ترى نظراته التي يطالعها بها وهو يكمم فمها، يقف خلفها مستندا على الحائط ويده تستطيع كتم صوتها، الآن إما أن تُهزم ككل مرة أو تكون، وعلى الرغم من خوفها، على الرغم من جسدها الذي وصلت ارتجافته لكل إنش في هذا العالم، على الرغم من كل شيء، حين كان يتجه لإزالة كفه حتى تتحدث ثنت هي ذراعها وأرجعته للخلف بسرعة جعلت كوعها يصيب فكه، باغتته فتأوه بذهول في حين كانت كلمات عيسى التي لا تنساها أبدا تتردد في أذنها، تسمعه الآن يقول: تضربي بكوعك يمين وشمال، اضربي لورا هتيجي في فكه أو وشه، وتدوري علطول واتني ركبتك واضربيه.

وكأنه يشجعها، حتى في غيابه حاضر، ثنت ركبتها وضربته مسرعة في معدته، ضربتها هذه أثرت كثيرا على الجرح الذي تركوه له في معدته في تلك الليلة، الجرح الذي لم يُشفى تماما بعد، يده التي امتدت لتحيط بجرحه وانكماش وجهه تعبيرا عن الألم أذهب ببعض خوفها ولكنه لم يُذهب بانهيارها وهي تصرخ في وجهه مصارحة بكل ما تحمله داخلها: وأنا بكرهك، بكره أشوفك، بقرف منك ومن صوتك، بكره نفسي لما بلاقيك بتبص عليا.

تشتعل نظراته وهي تتابع غير آبهة بصوتها الذي أظهر ارتعادها، بنبرتها التي تبرز انهيارها: لو مفكر إنك لما تعمل حاجة لعيسى أنا هبقى تحت إيدك يبقى تنسى.
تسارعت دموعها وهي تلقي على مسامعه كلماتها: أنا لو جه عليا يوم ووقعت تحت إيدك أنت هكون مموتة نفسي.
علي حين غرة دفعها للحائط، كان يحاوطها ويقترب بوجهه منها قائلا: طب موتي نفسك يلا.

ساعدها العصا التي يمسكها بيده حيث لم يستطع أن يحاوطها بشكل كامل بسبب يده التي استخدمها في الاستناد على العصا، لذلك وقبل أن يفعل أي شيء رفعت ذراعها وصدمت أنفه بكفها المفرود كما علمها عيسى تماما، ثنت ذراعها الآخر وألحقت الضربة بواحدة ثانية حيث فردت كفها وضربته في وجهه فتراجع للخلف، وهرولت هي ناحية الخارج، لا تعلم هل كانت تستطيع فعل ما فعلته إن كان شاكر بعافيته كاملة أم لا ولكن المهم أنها فعلت، وصلت إلى البوابة الخارجية وما إن خرجت ووجدت عاملة النظافة حتى عادت لها الأنفاس من جديد، أما هو فكان مذهولا، من هذه التي لم يفشل مرة في التمكن منها، ولكنها هذه المرة فاجئته، هذه المرة دافعت عن نفسها بكل شراسة وكأنها أخرى، دقائق ودخل له أحدهم الذي قال: أنت عملتلها إيه يا شاكر كانت طالعة بتجري.

كان هذا صديقه، صديقه الذي افتتح هذا المقهى، أتى شاكر إلى هنا ولكنه لمحها أثناء دخولها، شاهدها وهي تطلب من النادل الدخول للمرحاض ثم ذهب إلى صديقه الذي يهتم بكل شيء هنا وخاصة أن المكان في بدايته، صديقه سأل النادل عما طلبته وحينها قال شاكر له: خليه يقولها إنها ممكن تدخل عادي وإنه مكانش يعرف إن الحمامات اتفتحت.
شاكر أنا مش عايز مشاكل هنا.
رد عليه يطمأنه بنظرة حادة: محدش هيقدر يعملك مشاكل، متخافش.

كان صديقه على علم ب ملك ابنة عم شاكر التي لا يكف عن مطاردتها أبدا، ولكنه هتف بتردد: طب ما تقولها اللي عايزه هنا.
حثه شاكر بغضب: اخلص علشان جوزها برا، أنا هتكلم معاها كلمتين وأخرج.
وافق على مضض ووقف بالقرب من الباب الأساسي للمرحاض حتى ينقذ الموقف إن فعل شاكر أي شيء متهور، فاق من شروده على صوت شاكر الذي قال: طلعني من الباب التاني.

أدرك أنه تسبب في كارثة ما لذلك قال بغضب: أنا مش هطلعك من هنا غير لما البت دي واللي معاها يمشوا، علشان لو حصل حاجة تلحقني، أنا لسه فاتح المكان يا شاكر بيتي كده هيتخرب.
في نفس التوقيت كانت ملك تهرول فقط تريد أن تراه وما إن وقعت عيناها عليه حتى عادت الأنفاس لها من جديد، تذكرت السلاح الذي لوح به شاكر فزادت خشيتها للضعف، ورددت سريعا وهي تتشبث بعيسى: يلا نمشي من هنا.

استغرب حالتها، حيث دخل المقهى للتو ولم يكن لديه إلا رد متعجب على طلبها: نمشي إيه هو احنا قعدنا؟، مالك يا ملك
تسارعت دموعها أكثر فأكثر ورددت بإصرار وهي تسحبه نحو الخارج: علشان خاطري يلا.

أمام انهيارها هذا لم يكن في وسعه إلا الاستجابة، أخذها واتجه إلى سيارته ولم تسكن إلا بعد أن قادها بعيدا عن المقهى، سكنت انتفاضة جسدها ولكن دموعها لم تعرف للسكون معنى فأوقف السيارة وهو يقول برفق: طب مالك؟، في حد ضايقك هناك، شوفتي حاجة زعلتك؟
تعالت شهقاتها فتخلى عن رفقه وقد تلفت أعصابه وهو يسألها: يا ملك في ايه؟
تحدثت من وسط شهقاتها: أنا لما دخلت الكافيه طلبت ادخل الحمام بس الجرسون قالي إنه مقفول.

بالتأكيد ليس هذا السبب وفسرت هي قولها متابعة: بعد شوية قالي إنه اتفتح ودخلت وجيت خارجة لقيت…
أنصت لها تماما وكان متحفزا، فانهيارها هذا ورائه كارثة وصدق ظنه حين قالت بخوف: لقيت شاكر ورايا.
فتح عينيه على وسعيهما وهو يكرر خلفها: شاكر!
طالعته بحذر بينما انفعل هو وصاح بغضب: شاكر، شاكر كان هناك وطلعتي تجري وخلتيني أمشي من هناك!

انكمشت أكثر وزادت دموعها مما ضاعف من اشتعاله، ورفع وجهها لتطالعه عنوة وهو يصيح: متعيطيش وبصيلي، عملك ايه؟
لا يمكن أن تخفي خوفها، ولم يستطع هو إخفاء الحزن في مقلتيه وهو يسألها: هو أنا كام مره قولتلك بطلي تخافي منه؟
ردت عليه بقهر: وأنا كان مره قولتلك إنه مش زرار هدوس عليه، كام مره قولتلك إني في حتة جوايا هو حرقها ولحد النهارده كل ما اشوفه توجعني أكتر.

ضرب على المقود وقد ثارت ثورته فهمست بألم من بين عبراتها: أنا ضربته.
توقف عن الإنصات إلى أي شيء عداها، استدار لها ونالت كامل تركيزه وهي تسترسل بألم يمزق بها: أنا ضربته مرتين وجريت، أنا خايفة أكون قدرت عليه المره دي بس علشان هو مش بصحته، علشان زي مش قادر يمشي على رجله كويس، وإنه لو كان سليم مكنتش قدرت أعمل ده…

تابعت وهو تطالع عيسى بمقلتين نبع منهما قهرها: أنا أول مره أقدر عليه وأعرف أهرب وأنا خايفة، أول مره خوفي منه ميمنعنيش أدافع عن نفسي، هو أنا قدرت أدافع عنها أصلا؟، ولا الظروف بس هي اللي خدمتني!

نبرتها قتله حزنا على ما أصابها، أحاط بكفيه وجهها وحثها على النظر إليه وهو يلقي على مسامعها بنبرة مؤكدة: أنتِ قدرتي تدافعي عن نفسك علشان هو جبان مش علشان الظروف خدمتك، عرفتي تدافعي عنها علشان قدرتي تقللي ولو جزء من خوفك وده إنجاز، مترميش اللي عملتيه على الظروف اللي خدمتك، أنا متأكد إنه حتى لو كان بصحته كنتِ هتعرفي تتغلبي على خوفك، أنا واثق فيكِ يا ملك وواثق إن هيجي اليوم اللي مش هتخافي فيه منه خالص.

كل كلمة تفوه بها فعلت الكثير والكثير، أكسبتها ثقة أن ما فعلته انتصار عظيم ولكنه نبهها أن جرمها كبير أيضا حين قال: غلطتك الوحيدة كانت في إنك خلتينا نمشي ومقولتيش…
ده علشان…
قاطعها بإشارة من يده مانعا استرسالها في الحديث: أنا مش عايز أسمع حاجة.
عاد للقيادة في صمت خيم على الأجواء ولم يتوقف إلا أمام منزل خالته حيث حثها على النزول قائلا: اطلعي عند ميرت وأنا شوية وجاي.
أنت هتروحله؟

كانت نبرتها قلقة تخشى الكثير وكان رده حازما حيث لم يقل إلا: انزلي يا ملك.
أتت لتتحدث من جديد فكرر بآلية: انزلي.
أدركت أنه أغلق كل مجالات النقاش فنزلت واتجهت ناحية مدخل العمارة التي تقبع بها ميرت لكنها لم تفارقه بعينيها حتى غادر تماما.
كانت تقف في المحل تقضي طلبات بعض الزبائن وما إن انتهت وتوجهت لتجلس حتى سمعت نبرته المميزة: سلام عليكم يا ست هادية.

ردت السلام مسرعة وأكملت بترحيب: أهلا أهلا يا حاج نصران، اتفضل اقعد.
اعتذر عن هذا يقوله: أنا جاي بس اتطمن على شهد علشان عندي مشاوير تانية.
طمأنته بقولها: شهد كويسة الحمد لله، هي صحيح زعلانة من ساعة اللي حصل بس خير الحمد لله.
بنتك حقها اتجاب وسط أهل البلد كلهم، قوليلها تمشي رافعة راسها هي محدش ماسك عليها حاجة، اللي يزعل ويخاف هو اللي اتهان واتضرب قصاد الخلق.

هزت رأسها موافقة على حديثه وابتسمت تشكره بامتنان: كتر خيرك يا حاج.
اتجهت للموضوع الذي أغلقه هو مسبقا وفتحته من جديد بقولها: طب بالنسبة لموضوع الإيجار؟ أنا عايزة اشتريهم بقى.
تنهد بهدوء قبل أن يرد عليها: البيت والمحل بتوعكم، أنتِ مش ضيفة فيهم، اعتبريهم يا ستي هدية جواز ملك وعيسى.
قبل أن تتكلم أوقفها بقوله: لو الموضوع مضايقك، نتفق ويبقوا باسمك رسمي، وافضلي تدفعي الإيجار زي ما أنتِ كل شهر كأنك مأجرة.

أبدت اعتراضها بقولها: يا حاج نصران أنت مبتاخدش الإيجار أصلا، مره اه وعشرة لا، علشان خاطري علشان مبقاش حاسة إني تقيلة على حد.
كانت نبرته لينة وهو يطلب منها بابتسامة: علشان خاطر بناتك أنتِ اسمعي الكلام، خلي الفلوس اللي في البنك زي ما هي، محدش ضامن الظروف.
وافقته بابتسامة وهي ترد: هقول ايه يا حاج نصران بعد كلامك، خلاص اللي تشوفه.
لما شهد تفوق شوية ابقي ابعتيها مع ملك علشان عايزها.

وافقته على طلبه، ورحل هو بعد أن ألقى السلام كانت نظراته كعادته دافئة ونظراتها بها من الحنين الكثير، حنين تردع نفسها عنه دائما، لا واحدة كانت ستفرق، ربما إن استطاعت قول لا حين كانت شابة لبقت معه حتى الآن، وتردد في أذنها صوته وهو يرجوها، ترى الآن صورته في شبابه وتسمع نبرته المتشوقة لكلمة واحدة فقط تقولها وتنهي كل هذا: علشان خاطري يا هادية قولي لا، أنا هكلم أبويا.

أبويا وأبوك عمرهم ما يتلاقوا يا نصران.
ظن أن يحفزها بوعده: أنا هتصرف، هعمل المستحيل علشان نبقى سوا، هتكلم مع أخويا الكبير وهو هيقدر يقنع أبويا بس أنتِ حاولي علشاني.

فاقت من شرودها على قطرات ساخنة نزلت من عينيها، فاقت وهي تعلم جيدا أن رضوخها كتب على هذه العلاقة اللوعة، لوعة الفراق، لوعة أنه لن سيحدث شيء، سيبقى كل شيء كما هو، هو والد زوج ابنتها، وهي والدة زوجة ابنه. ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها وهي تعود إلى المحل متمتمة: الله يسامحها الدنيا يا نصران.
نبع هذا عن فؤادها الذي مر على جرحه أعوام كثيرة ولكن هناك بقعة به حتى هذا اليوم ما زالت تتذكر.

مازالت لم تُشفى بعد.
كان على يقين بأنه فر من المطعم، لذلك علم وجهته جيدا، منزل ثروت، لقد مر على رحيلهم هو وملك من المقهى ونقاشهم الحاد وتوصيله لها إلى بيت خالته أكثر من ساعة، بالتأكيد عاد شاكر إلى المنزل، تحرك إلى المكان المقصود، تملك التحفز منه ولم يكن وحده بل رعشة كفه أيضا، لم يأبه بهذه البوادر حين وصل، وأبلغ الحراس رب عملهم الذي حثهم على إدخاله، كانت معاملة ثروت جافة وهو يسأل بترفع: جاي ليه؟

حاول عيسى تخطيه وهو يسأل وقد بدا على وجهه المكفهر كل شيء، عروقه البارزة والاحمرار في عينيه، كل تفصيلة توحي بأنه على استعداد تام للفتك بأي أحد وكذلك كانت نبرته وهو يسأل: شاكر فين؟
منع ثروت مروره وقال بانزعاج: مش هنا، وتاني مرة تتصل قبل ما تيجي وتزعج الناس، و شاكر ملكش علاقة بيه نهائي لا من قريب ولا من بعيد.
وسع من طريقي علشان ما مدش إيدي عليك.

وجه حديثه هذا إلى ثروت وهو في أوج اشتعاله مما جعله يقول: لا ده أنت اتجننت بقى، أنا خليت الحرس يدخلوك بس أنا اللي غلطان.
تجاهل كل شيء، تجاهل وفقط قال بعيون لمع الشر بها: فين شاكر؟
نزلت علا للتو فصاح بغضب: أخوكِ فين؟، ال ابن ال فين؟
جحظت عيناها وما إن وقعت عينيه على كوثر حتى قال: لو خايفة عليه نزليه.
مساء الخير.

قالها شاكر الذي أتي من الخارج لتوه بصحبة زوجته التي احتضن حصرها بيده السليمة واتسعت ضحكته وهو يقول: أي ريح طيبة أتت بك إلى هنا يا بن الحاج نصران؟
=ريحة وساختك.
مش هرد عليك، الله يسامحك.
نادى ثروت أفراد الحراسة، وحينها كان عيسى يمسك الواقف أمامه قائلا: ملك علمت عليك يلا، مفكرها بتاعة زمان؟
ده عندها يا روح أمك.

انتهى من جملته وعقب ذلك ضربة وجهها شاكر له برأسه، جعلت صيحة مصدومة من الواقفين تصدر وعيون شاكر لا يملأها إلا الشر ولكنه لم يكن مساوي لعيسى الذي تمكن اضطرابه منه فركله بعنف في موضع جرحه في ساقه المصابة حيث توعد صارخا: أنا هعجزك النهاردة.

سقط شاكر على الأرضية وتمكن عيسى منه بتوجيه ركلات متتالية بعنف شديد إلى موضع الإصابة في ساقه فصرخت كوثر وهرولت ناحية ابنها وجذبت بيريهان السكينة الموضوعة على طبق الفاكهة وصاحت وهي تقترب من عيسى: ابعد عنه.
انكمشت تقاسيم شاكر من ألم ساقه غير المحتمل، فتح عينيه بصعوبة ليطالعه بغل شديد وبعدها سمعه يقول مشيرا لعلا: أخوكِ اللي جيتي تتحايلي عليا علشانه أهو، هو اللي حفر قبره بإيده النهاردة.

استدار لبيريهان مكملا: اسألي اللي رافعة السكينة علشانه ده عمل ايه لملك من شوية؟
ردت عليه بانفعال: ملك ايه وهيشوف ملك فين، مطلبتلهوش البوليس ليه، ولا هي اللي زي كل مره جت ألفت فيلم جديد عليك وأنت صدقتها وجاي تعملنا مشكلة هنا.
ضحك عيسى بغير تصديق وهو يرد عليها: فيلم جديد؟، لا يا بيريهان الأفلام دي بتتعمل عليكِ أنتِ مش عليا أنا، الأفلام بتتعمل على المغفل بس، و أنتِ أكبر مغفلة.

تحدث شاكر الذي سندته والدته حتى يجلس: متتكلميش معاه يا بيريهان
علي الرغم من آلام ساقه تابع: حاجة تانية يا عيسى؟، عندك حاجة تانية هتقولها؟
لم تتمكن النوبة منه، تحكم في أعصابه بصعوبة شديدة واقترب من شاكر الذي أكمل: لو عندك قولها، علشان معاك دقيقة كمان والحرس هيطلعك برا.
همس عيسى له بنبرة متشفية لا يسمعها إلا هما: لا معنديش، اللي ملك عملته النهاردة قال كل حاجة.

بان الاشتعال في عيون شاكر وأكمل عيسى: كل مرة تحاول تعمل فيها حاجة هتبقى بتقرب برجلك من ميعاد سنوية فريد الجديدة، هتبقى بتقرب من بروة اللي هنعمله فيك السنادي، وأظن أثار السنوية الأولى لسه مراحتش.
طلعوه برا.
قالها شاكر بغضب، فتحرك عيسى وحده ليغادر وهو يقول: متزعلش أوي كده، أنا قولت اللي عايز أقوله وخارج.
هتف شاكر من خلفه: عايزك تتفرج الأيام الجاية وتتابع كويس.
لو على خيبتك فكلنا هنتفرج عليها متقلقش.

كانت هذه جملته الأخيرة قبل أن يبصق ويرحل تماما من هنا، يرحل ويترك خلفه أعين لا تكف عن النظر إليه، أعين تقسم على جعله يذق ما لا ينساه أبدا.
وصل إلى منزل خالته، في الأعلى كانت ملك تردد بانفعال لميرت: أنتِ ازاي تسمحيله يدخل هنا، ده ضرب على عيسى نار…
أكملت بغير تصديق: ده كان هيموته.

أتى كارم على صوتها ودخل الغرفة دون استئذان قائلا بتصنع الإعياء: يا بنتي حرام عليكِ، أنا مبقتش حمل شوارع، والله يومها الشيطان كان لاعب بدماغي ومش شايف من الشرب.
طالعته ملك بغضب وأكمل هو: أنا لما يجي هنا هبوس دماغه واتأسفله.
تلألت الدموع في عيون ميرت وخاصة حين حثتها ملك: ميرت معلش خرجيه ولما يجي عيسى هو يتصرف.
لم تكد تنتهي حتى سمعت الباب يُفتح، دخل ليجده أمامه، احتدت نظراته وهو يسأل: ده دخل هنا ازاي؟

حقك عليا يا عيسى، الشرب والله لعب بدماغي، حقك عليا
قال كارم هذا وهو يقترب منه طالبا: هات راسك أبوسها.
تخطاه عيسى ووقف أمام خالته قائلا بنبرة جامدة: اطرديه.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها فتابع بألم: أنتِ اللي فتحتيله صح؟
ابتسامة ساخرة امتزجت بوجعه وهو يقول: خليه ينفعك.

قال هذا وسحب ملك من ذراعها متجها نحو الأسفل، تجاهل نداء خالته، تجاهل نبرتها الملتاعة، لم تختاره للمرة المائة بعد الألف تثبت له أن كان على حق حين اختار الاضطراب رفيق، ورفض العلاج منه أبدا.
ركبا السيارة فلم تعلم ملك ما الذي يمكن أن تقوله الآن، حتى لا تعلم هو يتحرك إلى أين، هي تعلم حزنه تدري به لذلك قالت برفق: عيسى.
لم يرد تابع القيادة فربتت بكفها على كتفه قائلة: متزعلش.
أنا مش زعلان، براحتها.

كان هذا رده التي هي على يقين تام من أنه كذب، فتنهدت بحزن وسألته: طب احنا هنرجع اسكندرية دلوقتي؟
تأخر الوقت كثيرا، كذلك التعب تمكن منه فقال: أنا تعبان مش هقدر أرجع دلوقتي وعندي شغل عايز يخلص، لو عايزة تروحي أنتِ كمان مفيش مشكلة هروحك.
هزت رأسها نافية وهي تقول: لا أنا معاك أهو، بس احنا هنقعد فين؟

وصل بها إلى معرض سياراته، توقف أمام المعرض الذي انتهى العمل به قبل ساعة وأغلقه بشير، انكمشت على نفسها إثر برودة الجو ولاحظ هو ذلك فسألها: أنتِ بردانة؟
هزت رأسها فجذب كفها قائلا: طب تعالي.

أخذها معه ناحية مكان مجاور لمعرضه، أخرج المفتاح وفتح بابه، كانت تظنه مخزن ولكنها وجدته ما يشبه الغرفة الصغيرة، بها فراش وأريكة ومقعد وبراد في أحد الزوايا وشرح هو لها: أنا وبشير كنا خدناها علشان لو اضطرينا نبات هنا، لو عايزة ترتاحي ارتاحي وأنا هطلب حاجة تاكليها.
لم ترض بل قالت مسرعة: أنا مش عايزة أكل، أنت مش قولت إنك تعبان تعالى نام بقى وبلاش فرهدة تاني.

قالت هذا وهي تخلع حذائها وما إن انتهت حتى وضعت الحقيبة على مقعد وهي تطلع إلى اللون الرصاصي الذي غلب على الغرفة ثم توجهت إلى الفراش وتدثرت لتشعر أخيرا بالدفء، انكمش حاجبيه باستغراب وسألها وهو يجذب زجاجة من مشروبه المفضل من البراد ويضعها على الطاولة حتى تفقد جزء من برودتها: هو أنتِ هتنامي بالطرحة!
تذكرت ما فعله شقيقتيها، تذكرت ما هو على جانب عنقها فقالت وهي تحكم حجابها: اه هنام بيها، علشان سقعانه.

أنتِ حرة.
ردوده الجافة هذه تصيبها بالغيظ، دلف إلى المرحاض المرفق بالغرفة فتابعت أثره بحزن، تدرك جيدا أثر فعلة خالته به، بينما كان هو في الداخل يضع رأسه أسفل صنبور المياه، امتزجت دموعه بالمياه امتزجت ونفسه تحدثه متشفية: كنت فاكرها هتختارك؟، كانت اختارتك قبل كده.

أغمض عينيه بشدة وهو يهز رأسه نافيا، رافضا أن يصدق هذا بينما الأصوات داخله تتعالى قائلة: هي عايزة توديك لدكتور علشان تمرضك مش تعالجك، هتعالجك من ايه؟، علشان عصبي شوية؟، العصبية دي هي الحاجة الوحيدة اللي خلتك تكسب كل مرة وقفت فيها قدام جوزها.
تسارعت عبراته وتحدث فؤاده بدلا عن نفسه: بس كانت هتخسرك حاجات كتير، مش دايما بتخليك كسبان…

وكأن نفسه تقاطع فؤاده لتعلن أنها المسيطر: هو هيخسر لو سمع كلامك، والدليل اهو جاي يبات هنا علشان ميباتش عند خالته اللي بقت جوزها عليه، نفسك وعقلك هما اللي صح، قلبك ده هيضيعك.
أغلق الصنبور ومسح عينيه، أنهى كل شيء وخرج، ليجدها تنتظره أمام الباب فعلق ضاحكا: متخافيش مكنتش هنتحر جوا.
محدش ضامن اليومين دول.

ابتسم على تعليقها المازح، ثم لمحها وهي تشد طرف حجابها على عنقها فقال: ملك لو شعرك مش متسرح هاتي اعملهولك.
رفضت بسرعة وتوتر جعله يرفع حاجبيه بدهشة وهي تقول: لا. لا أنا عاملاه هو كويس.
في إيه يا ملك؟
رفعت كتفيها ببراءة فتابع مشيرا على جانب عنقها: في ايه هنا عمالة تشدي الطرحة كده ليه وخصوصا هنا.
أدركت أنه لا مفر، فلجأت إلى الخداع وهي تقول: يا عيسى مفيش حاجة، اهي الطرحة.

خلعتها عن رأسها وتصنعت أنها تجمع خصلاتها وهي ترحل من أمامه قائلة: سيبني أنام بقى.

كان مترقب وبالفعل ما إن خلعتها ركز عينيه على جانب عنقها فجذب يدها حتى أصبحت أمامه وأدار رأسها للجانب ليرى، اتسعت ضحكته وهو يرى الحروف البارزة من اسمه وتسارعت أنفاسها وهي تحاول سحب يدها لتفر من أمامه ولكنها تجمدت حين مسح بإصبعه على الحروف التي رسمتها بالحناء على جانب عنقها، شعرت بالبرودة تهاجمها وخاصة حين سألها: دي علشاني؟

أسرتها نبرته، نبرته التي بان فيها حزنه على فعلة خالته التي لم تُداوى بعد، نبرة صغير لا يصدق أنه تم كسر القواعد من أجله، لم ترد زرع خيبة الأمل به برد محبط فابتسمت وهزت رأسها بنعم ثم قالت بمزاح: هو ممكن أروح أنام بقى علشان أنا بردانة بصراحة ودلوقتي بردت أكتر، وأنت وترتني.
ضحك على قولها وانتقلت عيناه على حروف اسمه من جديد وهو يقول بابتسامة: دايما ناجحة إنك تخطفيني يا ملك.

ثم علق مشاكسا: وعمالة تشدي في الطرحة وأنا هقول هي مالها، هي جالها مرض معدي ولا إيه؟ وبقيت بفكر أرميكِ من العربية.
طالعته بغيظ سائلة: والله؟، يعني لو جالي هتعمل كده.
لا هعمل كده.

قال هذا ومال على عنقها يقبل برقة الموضع الذي كتبت حروفه به، يعرف كيف يؤثر بها، كيف يسلب قلبها منها برقة أفعاله، ما إن ابتعد حتى هربت بتوتر للفراش متصنعة أنها ستنام، كان سيتحدث ولكن سمع دقات على الباب، انكمش حاجبيه باستغراب وطالعته ملك، لم يستمر الدق كثيرا حيث وجدت الباب يُفتح ويبدو أن القادم معه مفتاح أيضا، لم يكن قادم، بل قادمة كانت رزان التي ما إن وقعت عيناها على عيسى حتى ابتسمت قائلة: ده النهاردة أحلى أيام حياتي علشان شوفتك.

في حين انتفضت ملك وهي تشملهما بنظرات تكفي للقتل، نظرات استقبلها عيسى أولا، وأدركت رزان بعده أن هناك ثالث في الغرفة، هناك ملك.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *