التخطي إلى المحتوى

الفصل الستون والأخير]]

#رواية #رُحماءٌ_بينهم

#علياء_شعبان

•~•~•~•~•~•~•

“الحياةٌ قصيرةٌ وقد خلقنا الله في كبدٍ، نتعثر أمام مشاق الحياة ثم ننهض منتصرين بعزائمنا وإصرارنا وقبلهما لطف الله بنا؛ فلنكُن فيما بيننا رُحماءً، كيف لك أن تكون لأخيك وَخزةً في قلب، شوكةً في دربٍ أو شُعورًا ثقيلًا يَصعُب البوح به وربما كابوسًا يراود حلمه؟! تزيد من حِمل كاهله بدل أن تحمله معه لتمر حياتنا المؤقتة بالدنيا خفيفة هينة!!

حين تسود الرحمة خِصال قلبكَ تجدك تلين وإن كُنت حديدًا؛ فالرحمة وقتها كالحرارة تُذيب جليد قسوتنا وتستبدله بلينٍ يتجلَّى في رحمتنا بقلوب بعضنا؛ فنحن مهما عصفت بنا القسوة والضغينة لا يجمع شتاتنا ويلملم آخر خيوط إخاءنا سوى الرحمة”.

•~•~•~•~•~•~•~•~•

اضمحل الأمل داخلها شيئًا فشيئًا، لقد تكالب الجميع على جدار قلبها يفتتونه تفتيتًا وكان هو أول من أمسك المطرقة، قادتها قدماها إلى هذا النهر الجاري لتقرر أن تكون بدايتها ونهايتها في مكان واحدٍ باختلاف الحبكة، البدايةٌ غريقٌ قد نجا والنهاية غريقٌ لم ينجُ، غريقٌ سأم الحياة يحمل داخل أحشائه آخر لم تطأ قدماه الحياة بَعد.

انهمار دموعها لا يتوقف وصوت خفقان قلبها يعلو بتسارعٍ وهي تخطو خطوات بائسة للبحرٍ تتذكر كيف تخلَّت أمها عنها؟! وكيف ذاقت الخذلان على يدٍ من ربتها؟! وكيف اختار حبيبها الفراق فضلًا عن بقائه بالقرب منها يسند ميل قامتها المحناة، توقفت قدماها في بداية الشط وشعرت بارتطام الموج بأطرافها قبل أن تستمر في التقدم فيبدأ مستوى الماء في الصعود إلى جسدها تدريجيًا حتى وصل إلى بطنها المنفوخ، شعرت بلسعة الماء البارد فسرت رجفة مكهربة في جسدها بأكمله ولكن هذا لم يردعها عن الاستمرار حتى دخلت أكثر إلى عرض البحر لا واعية بالنتائج فوصلت الماء إلى رأسها ولحظات ولفحتها الأمواج وابتلعها البحر بغتة منها، اتسعت عيناها عن آخرهما وفردت ذراعيها باستسلامٍ سريعٍ دون أدنى جُهدًا منها للمقاومة، وبدأت أنفاسها تنسحب رويدًا من جسدها تجاهد أن تصرخ باسمه لنجدتها ولكنها لا تستطيع طبعًا.

-تليـــــد!!

انتفضت مذعورةً تنتشل وَعيها فورًا من أسر ذلك الحلم المريب وهي تصرخ باسمه، أخذت تنظر مشتتةً حولها ببصر زائغٍ وأنفاس مُضطربة لتجد نفسها داخل غرفتها وتنام على الأريكة، بدأت تلتقط الصعداء وهي تلتقط طرفَ سترتها تمحي به قطرات العرق التي تندى جبينها بهم وكفها يتحرك ثم يستقر على قلبها يربت عليه بلمساتٍ رقيقةٍ تناجيه متوسلةً أن يكف عن الركض وتهدأ وتيرته، بدأت تأخذ نفسًا عميقًا وتطرد زفيرًا يحمله معه مخاوفها التي لحقت بها داخل حلمها لتجد فجأة الباب يُفتح وصوت “مُهرة” المرتبك يقول بسرعةٍ:

-الحُقنة!!!

طالعتها “وَميض” بنظرات تائهةً قبل أن تسألها بنبرة رتيبة لا حيوية بها:

-هو أنا نمت كتير؟!

أومأ “مهرة” التي تتقدم منها سلبًا قبل أن ترد بنفي:

-إنتِ مكملتيش ساعة أصلًا.. مال وشك مخطوف كدا؟؟

وَميض وهي تبتلع ريقها على مهلٍ وترد:

-كابوس.

بللت شفتيها الجافتين بطرف لسانها قبل أن تتابع بخفوتٍ:

-علقتوا الزينة؟!!

مُهرة وهي تومىء سلبًا ثم ترد متبرمةً أثناء التقاط ذراع الأخيرة وتعريته:

-لسه بيعملوها، مش فاهمة ليه ميشتغوهاش جاهزة وخلاص؟!! غاويين تعب.

وضعت إبرة الحقنة داخل زجاجة الدواء ثم سحبت ما بداخلها لتغرسه بعد ذلك برفقٍ أسفل جلد الأخيرة التي صدر منها أنين خافت من لسعة السِن لتتابع “مُهرة” وهي تمرر أصابعها برفقٍ مكان الوَخز:

-بالشفا إن شاء الله.

نفخت “وَميض” بقوةٍ قبل أن تتابع متأففة في ضجرٍ:

-هو أنا هفضل أخد الحُقن دي لآخر الحمل؟؟

انفرج ما بين حاجبي “مُهرة” وهي تقول بثباتٍ وبعض اللين:

-على حسب، عنايتك بنفسك وغذاكِ وصحتك هم اللي هيحددوا، جسمك ضعيف جدًا والحُقن عامل مُساعد معاكِ علشان نمو الجنين والفيتامينات والمعادن اللي المفغوض جسمك يستقبلهم من الأكل اللي إنتِ موقفاه أصلًا.

مطت “وَميض شفتيها بيأسٍ وأردفت:

-مش عارفة ليه مبقاش ليَّا نِفس خالص يا مُهرة، هو طبيعي الحمل يسد نفس الواحدة كدا؟!!

تابعت باستطرادٍ:

-على حسب، كُل واحدة وظغوف وطبيعة حملها، في واحدة الحمل بيسد شهيتها وواحدة تانية بتاكل في الحمل كتيغ، بس أنا شايفة إن حالتك دي غاجعة أكتر للزعل، بكغا لمَّا الشيخ تليد يغجع لك بالسلامة نِفسك تتفتح.

تنهدت “وَميض” بخفوتٍ قبل أن تسألها “مُهرة” بفضولٍ وحماسٍ اختلج نبرتها:

-هو إنتِ مش ناوية تغوحي لنوح علشان تعملي سوناغ وتشوفي البيبي وتعغفي عمغه كام بالظبط؟!

وَميض تجيبها بابتسامة هادئة مختلط بشرودٍ حائرٍ:

-مش هعمل سونار غير وتليد معايا، لازم يشاركني اللحظة دي ويفرح معايا بيها، مش مُتخيلة شعوره لمَّا يعرف إنه هيكون أب!، تفتكري هيفرح!!

 مُهرة وهي ترد بلينٍ:

-هو دا سؤال؟! في حد ربنا ينعم عليه بحتة من قلبه وما يفرحش؟! إنتِ بقى قلبه وهتجيبي له حتة صغيرة شبهكم إنتوا الاتنين، دا يا هناه يا سعده طبعًا.

فرَّت دمعة ساخنة من مقلتيها قبل أن تطرق برأسها ثم تتنهد بهمٍ، أرادت “مُهرة” مواساتها وطرد تلك الكآبة التي خيمت على ملامحها البرَّاقة فأطفأتها لتتنحنح بهدوءٍ قبل أن تتابع وهي تلتقط كفها في حسمٍ وابتهاجٍ:

-تعالي بقى اتفرجي علينا وإحنا بنعلق الزينة وافرحي معانا وفرحي السروجي الصغير.

تدبرت “وَميض” ابتسامة ناعمةٍ بسيطةٍ قبل أن تومىء مؤيدةً ذلك الاقتراح الجيد القادر على هزم مشاعرها السلبية وتبديلها بأُخرى متجددة سعيدة بقدوم شهر الخير.

“على الجانب الآخر”.

تجاوزت “سكون” بوابة المزرعة للخارج، تلفتت حولها تبحث عن سيارتهِ فوجدته يصفها بجوار نهاية سور المزرعة ويستند إليها منتظرًا قدومها، اِفتر ثغرها عن ابتسامة بسيطة وهي تخطو متعجلة صوبه وعقلها مُنشغلًا بِمَ ستخبره به؟! وكيف ترتب كلماتها للاعتذار منه وإنهاء هذه المسألة التي لن تُثمر عن مشاعرٍ تنبعث من قلبها أبدًا؛ فقلبها بالفعل يهوى حبيبًا!!

تقدمت حتى وقفت أمامه مُباشرةً قبل أن تشبك كفيها معًا في توترٍ ثم تقول بنبرةٍ خافتةٍ:

-إزيك يا زين؟!!

أومأ وهو يفك تشابك كفيها ثم يلتقط أحدهما ويقول بهدوءٍ:

-بقيت كويس لمَّا شوفتك.

ابتسمت بهدوءٍ ثم سحبت كفها فورًا وعقلها لا إراديًا بدأ يبحث عن كلمات منمقة تبرر له من خلالها رغبتها في ابتعاده عنها ولكنها تفاجأت به يقول بعد تمهيدية عميقة:

-سكون، أنا جاي أودعك.

انفرج ما بين حاجبيها في اندهاشٍ لا تعرف سره؛ هل فرحة أم استغراب؟!، أبدت ثباتًا كبيرًا وهي تسأله بتوجسٍ:

-ليه بتودعني؟!!.. إنتَ رايح فين؟!

تكلم بهدوءٍ:

-جالي سفرية شغل برا مصر والحقيقة أنا كُنت مستنيها من زمان ومش عارف هرجع إمتى أو مصيري هناك أيه؟! ومش عايز أربطك جنبي في مستقبل مجهول و…

أومأت سلبًا مُسرعةً ثم تابعت:

-لأ.. إنتَ مش محتاج تبرر.. أنا فهماك.. خُد فرصتك.. أنا مش زعلانة وبتمنى لك الخير أكيد.

اتسع ما بين حاجبيه باندهاشٍ ثم تساءل متوجسًا:

-بجد، يعني مش زعلانة؟!

تنحنحت “سكون” قبل أن تتظاهر ببعض الضيق:

-بالعكس.. سعيدة بمعرفتك يا زين.. ومستحيل أقف قدام مُستقبلك.

قطب متفاجئًا رد فعلها قبل أن يتساءل بغير تصديقٍ:

-يعني مش حاسة إني بخلف وَعدي معاكِ؟!!

أومأت وهي تقول قطعًا:

-أبدًا.. من حقك تختار شكل حياتك وتحطها في الإطار اللي يتناسب وفق طموحك.. غير إني الفترة دي مش قادرة أخوض أي تجارب عاطفية ودا الأصلح لينا.

أومأ قبل أن يلتقط كفها بغتة منها مرة أخرى مُصرًا على تقبيله وهو يغمغم بكلمات خافتةٍ التقطت آخر أطرافها:

-أشوف وشك بخير.

تدبرت ابتسامة بسيطة وهي تسحب كفها في خجلٍ وتأنٍ قبل أن يستدير مستقرًا داخل سيارته بعد أن فتح بابها وركبها؛ حاولت أن تبين البعض من الضيق لذهابه ولكن صفحة وجهها أبت ذلك فاتسعت ابتسامتها رغمًا عنها وهي وتجده يُنهي هذه المهزلة التي بدأت دون أن تعي متى؟ وقد رفع عنها الحرج وأراح بالها حينما أخلى مسؤوليتها من الاستمرار في هذه الخدعة وقلبها مُتيمًا بآخر.

لوَّحت له بذراعها فترة حتى انطلقت سيارته بعيدًا ثم توقفت على الفور وهي تنفخ بقوةٍ ثم تخرج زفيرًا كأنما تلفظ معه همًا أضاق صدرها وخنق أنفاسها، ظلت متسمرة في مكانها لعدة لحظات تراقب الغَبار الذي خلفته إطارات السيارة وتفكر بشرودٍ في خطوتها التالية؛ كيف يا تُرى تنسى له ما بدر منه من نوايا قاسية لأذيتها وإخفاء أسرارٍ كارثية كالتي عَلِمت بها مؤخرًا عن حياتها ولطالما أحبها لماذا لم يأتِ ويتواجه معها فيما وقع عليه وعلى شقيقته من ظلمٍ راغبًا في مناصرته ورد مظلمة له عند والدها؟؟، تنهد تنهيدة مهمومة بعدما فشلت في إيجاد الحل؛ فَهَمَّت أن تستدير عائدةً للمزرعة ولكنها وجدت ذراعين يقيدان حركتها ويضمانها بإحكام من الخلف، تسارع خفقان قلبها من شدة التوترٍ وقبل أن تتكلم وجدته يقول بصوت رخيمٍ منزعجٍ:

-الإنسان طاقة يا سُكون.. إنتِ أكتر واحدة مؤمنة بدا.. لأن يوم ما طاقتك فاضت بيكِ مشيتي وفارقتي الدنيا كلها.. أنا كمان إنسان وعندي طاقة!

لا تُنكر أن رغم غِلظة صوته الغاضب إلا أن شعورها بالأمان يتفاقم كلما قصُرت المسافة بينهما واختُزِلت، تنحنحت بتوترٍ من قُربه المهيب الذي أحدث فوضى عارمة بين ثنايا قلبها المنكب على وجهه حُبًا وهيامًا له، ظلت صامتةً تنظر أمامها دون أن تنبس ببنت شفةٍ قبل أن يستكمل “كاسب” بلهجة حادة قليلًا:

-أنا كبريائي في خطر ودا مؤشر ليَّا بالفُراق يا سكون!!!

ابتلعت ريقها على مهلٍ قبل أن ترد بلهجةٍ سادرةٍ:

-إنتَ ليه مُصر عليَّ يا كاسب!!!

أرخى ذراعيه عن خاصريها قبل أن يصيح لائمًا لنفسه غاضبًا من ضعفه يُحرك كتفيه المتهدلين بقلةٍ حيلةٍ وهو يشير بأصابع الاتهام إلى قلبه:

-هو اللي مُصر عليكِ مش أنا.. لو عليَّا كُنت مشيت من زمان.. إنتِ مفيش حاجة معملتيهاش علشان تكسري خاطري.. حتى قلبي اللي حبك مسلمش منك يا سكون.. دوستي عليه فرمتيه.. ليه كُل دا؟!!.. غلطت ووَهبني ربنا حُبك يكون لي توبة.. لسه بتحاسبيني على أيه؟!.. أنا المظلوم في القصة دي مش ظالم.. حتى لو نفسي ضِعفت للحظة وتخيلت إن دراعي وخططي هترجع لي حقي فأنا توبت.. مستوعبة كلامي.. أنا أول دقة من قلبي ليكِ كانت التوبة.

سقطت دموعها حُزنًا على مشاعرهما التي أُنزفت عن آخرها ضياعًا بين عتابهما الطويل لبعض، أسرعت بمحوهم فورًا قبل أن تقرر الالتفات إليه ومواجهة عينيه مواجهةً شرسةً لوضع حلٍ لهذه المعركة التي يرفض طرفيها خوض حربه ضد الأخير!!

استدارت مقابلة له فأبصرت عينيه الملتهبتين في كبرياءٍ رغم لمعة الانكسار المضاءة بهما، شعرت ببوادرٍ استسلام سريعٍ له ولكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة وهي ترد بتحدٍ كبيرٍ:

-بس أنا حاسة بفتور ناحية كل حاجة فيها مشاعر يا كاسب.. بقيت بخاف أدي مشاعر فتترد لي وجع.. إنتَ وجعتني وأنا وَجعي من حد بحبه مش بيتداوى.. غصب عني والله.. من كُتر ما وثقت وحبيت.. الوجع بيكون مُميت.. آسفة.. أنا خايفة أصدقك تاني وقلبي خلاص بدأ ينساك.

مدَّ كفه نحوها قبل أن يلمس بطرف إصبعها قُرب قلبها ويقول بلهجة شديدة:

-منافقة.

حدقت فيه وهي ترد باستنكارٍ وعينين تلمعان بالدموعٍ:

-أنا منافقة!

أومأ ثم استكمل باختناقٍ وصلابةٍ:

-دا هيمان والوِش نكران.. يبقى نفاق ولا لأ!!

تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ولم تُجبه وعيناها تهربان بشكل ملحوظٍ من عينيه قبل أن يستكمل بلهجة أكثر حِدةً:

-تخيلي تفوقي من غيبوبة عِنادك وتصحي تلاقي الحياة اللي المفروض تعيشيها معايا مِلك لغيرك؟! هتكوني وقتها مبسوطة؟! سكون العِند هيأذيكِ وهيدمر كُل نبضة وكلمة صادقة بينا، فوقي علشان أنا جبت آخري!!

سرت رجفة قاسية بين ثنايا قلبها وهي تتخيل بتمعن جملته فتهز رأسها رغمًا عنها برفض قاطعٍ خاصةً أنها لمست جدية وصرامة في حديثه، شعرت بضرورة تليين عقلها وكسبه مرة أخرى قبل فوات الأوان وإلا الندم سيكون حليفها للأبد عندما تدرك أنها خسرت أكثر شخصًا أحبها وأحبته في هذه الحياة، أطرقت برأسها قليلًا قبل أن تردد بخفوتٍ مختلطًا ببعض الحُزن:

-ويا ترى بقى بالسهولة دي هتلاقي واحدة تحبها أد ما حبتني ولا هتدور عليَّا فيها؟!!

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يلتهم نظراتها الخَجِلة بسهام عينيه وهو يرفع برفقٍ وجهها إليه:

-مفيش واحدة ولا حاجة شبهك.. إنتِ التفرد اللي مالوش زيّ.

سكت هنيهة ثم أضاف بهيامٍ:

-سكون.. أنا كل هزايمي في الحياة تتعوض إلا خسارتك تموت.. مش عايز أبقى جوه قلب مُتقلب طول الوقت علشان خاطري؟! أخاف في لحظة ألاقي نفسي براه.. أنا من حقي اطمن!!

حررت مشاعرٍ كُبتت من شدة القهر الذي تذوقت مُره طوال أحداثها الأخيرة التي دكت قلبها دَكًا واعتصرته بلا رحمةٍ، حاصرت وجهها يكفيها قبل أن تجهش باكيةً في انهيارٍ بينما تابع وهو يبعد كفيها عن وجهها ويرغمها على النظر داخل عينيه اللاتي تُضيئان بتحدٍ وإصرارٍ:

-إنتِ أهلي وناسي واللي استغنيت بيها عن العالم كله.. أنا شايفك حتة من نور حاربت عتمتي.. اوعي تغيبي تاني فانطفي.. خليكِ لآخر نفس فيَّا منارة هدايتي.. ممكن؟!!.

انجرفت دموعها انهارًا تُغرق وِجنتيها قبل أن ترد بصوتٍ وَهِن منهزمٍ:

-أنا مكسورة أوي يا كاسب.. رغم إنه استحق النهاية دي بس قلبي وَجعني منه وعليه.. أنا فقدت إيماني للحظة بالحياة.. حاسة إن ضهري انكسر وبقيت من غير أبٍ حتى سُمعتي وتاريخ إخواتي بقى مُعكر ومليان شوائب كلها هتفضل تطاردنا لمُجرد إن عثمان السروجي كان أبونا، عارف يعني أيه الغَدر ييجي لك من قلب مأمنك؟! تكوني مستخبي من طعنات الزمن في حُضن أبوك والضربة تيجي منه هو؟!!، مُتخيل مدى التشوه اللي غَمر قلبي، أنا نفسيتي مشوهة يا كاسب حتى لو بضحك، أنا أصلًا على طول بضحك، بس محدش قدر يفهم إن ضحكي مجرد استغاثات خفية، أنا من جوايا بموت، قلبي بيوجعني أوي مش قادرة استحمل!!

خرجت صرخة مذبوحة تُعبر عن ألمٍ قاهرٍ تغلب عليها فاجتذبها فورًا إلى صدره قبل أن يُعانقها بعُمقٍ مُعتذرًا بلُغته الخاصة نيابةً عن كُل شيءٍ تجرأ وعبث بطمأنينة قلبها المرهف الرقيق فاشتد بكائها ونحيبها بين ذراعيه تبثه بغمرة من الدموع ما يوجع قلبها ولا تستطع البوح به سوى على هيئة دموعٍ انفجرت من كثرة التخبط والكتم، التف ذراعيها أكثر حول عنقه في تشبثٍ فعانق خصريها باشتياقٍ ولوعةٍ لا ينطفئان أو تخف لوعتهما قبل أن يقول بهمسٍ بالقرب من أذنها:

-مش هتميلي من التعب لحظة وضهرك هيفضل عود مصلوب طول ما نفسي فيَّا يا سكون، لا عاش ولا كان اللي يكسر فيكِ حاجة حتى ضِفرك لو مش كاسراه إنتِ بإرادتك محدش يستجري يمسه، أنا مش عايز أكون من اللي بيتكلموا كتير أنا كلامي في وعودي، وَعد عليَّ ليوم الدين إن كرامتك تتصان وتتحفظ وحقك يتجاب لو في آخر بلاد الله.

رفع وجهه المدفون في عُنقها ثم قبل غُرة رأسها بقوةٍ قبل أن يتابع بعشقٍ جارفٍ اختلط معه الإصرار الشديد على محاربة أوجاعها:

-أنا بحبك.. بحبك وعايز نتقاسم وجعك سوى.. نتقاسم كل اللحظات والمواقف والنجاحات والاستمرار والسعي.. تتجوزيني؟! ولو تكرمتي ووافقتي هكون شاكر علشان قلبي معادش قارد!!

ابتسمت رغمًا عنها من وسط دموعها قبل أن تتابع بنبرة مهزوزة متحشرجة:

-بحبـــــك.. طبعًا موافقة.. كُنت وهتفضل أول راجل قلبي عِرف الحُب على إيده.. مشاعرك شفافة أوي يا كاسب.. تعرف إن أول نظرة بعد ما حبيتني أنا حسيت بيها؟!.. كانت مُختلفة عن كُل مرةٍ بصيت لي فيها.. كان فيها انبهار غريب بشخص مش مُبهرة أو عادي.. الحُب إنك تنبهر بشخص عادي جدًا لكل الناس إلا إنتَ بتكون شايفه مُعجزة سماوية صاغها ربنا في أحسن صوره وبعتها مخصوص ليك.. فتكون حاسس طول الوقت إنك عندك حاجة مُميزة خصها بيك ربنا ليك لوحدك إنتَ بس ومش عند غيرك.

رفعت كفها تلامس خده وذقنه بلُطفٍ قبل أن تنظر بشغفٍ داخل عينيه وتقول:

-دا الوصف الدقيق لشعوري بيك.. أنا ببص لك وأنا مُنبهرة طول الوقت حتى قلبي انبهاره بيك ما بيروحش!!

وضع كفه على كفها الذي يلامس ذقنه ثم جذبه ووضعه على قلبه وردد وقد شغف حُبًا بها:

-“قلبي أضحى عَجوزًا وكفك كيدٍ يوسف قادرةً على إعادة شبابه وصِباه”.

ظل يضغط بكفها على منطقة قلبه فتتسارع خفقاته الواضحة والسهل الشعور بها، ذاب فيها من كثرة النظر داخل عينيها الحلوتين وكيف تأسرانه وتنتزعان صلابة رجل عتيد لا يهتز قلبه لامرأة في لحظة وتجعل قلبه طوع أمرها؟!، افتر ثغره عن ابتسامة هادئة قبل أن يرفع أحد حاجبيه ويردد في ثباتٍ:

-تعرفي إن عينيكِ بتفكرني بسؤال تقيل كدا في اللغة العربية؟!!

زوت ما بين عينيها وهي تتساءل بإشارات من عينيها دون أن تنطق فيستكمل هو بابتسامة ثابتة:

-اعرب ما تحته خط.. عرفاه؟!!

أومأت في استغرابٍ؛ فتابع:

-خط الكُحل اللي تحت عينيكِ بيغويني أعربها يا سَكن!!

انبعج فمها كاشفةً عن أسنانها في خجلٍ خالطه السعادة وهي تمحو عَبراتها بأطراف أناملها ثم تطلب منه بفضولٍ شديدٍ ممزوج ببعض التدلل:

-خلاص اعرب!!

اتسعت ابتسامته كثيرًا قبل أن يرد بملاطفة وتغزل يخصانها وحدها دومًا عن غيره من بنات جنسها:

-عينيك فاعل رفع قلبي عن الزلات وبنظرة منهم تاب.

ابتسمت بلُطفٍ وهي تتأمل فيه كأول مرةٍ دقَّ قلبها له؛ فقبض مُسرعًا بكفيه على خصريها بغتة قبل أن يرفعها عاليًا ثم يدور بها فتعلو تلقائيًا ابتسامتها وتتحول إلى ضحكة رنانة وجدت سعادتها في محاربة العِند ووصل حِبال حبهما الدائبة مرة ثانية.

إذن؛ فالقاعدة الأولى في قانون المحبين:

“أن ترى فيها التفرد ولو كان لها ألوفًا مؤلفة من الشبيهات؛ فجميعهن لا تمتلكن الشجاعة للتوغل في أعماقك؛ إلا هي؛ فهي قادرة على خوض رحلة من الانبهار بداخلك!”.

 توجها معًا إلى المزرعة يدًا بيدٍ فعلم الجميع بعودتهما أخيرًا إلى قلوب بعضٍ، فرح الجميع كثيرًا وجاء الباقي منهم لتبدأ رحلة تعليق الزينة فانقشعت همومهم عن قلوبهم في هذه اللحظة إظهارًا لفرحتهم بقدوم هذا الشهر الفضيل ذائبين في نسماته ونفحاته المتعلقة برائحة الأجواء، التقط “عِمران” أحد الصناديق الخشبية وقام بفتحه ليجد عددًا جيدًا من الزينات والفوانيس المُضاءة والأهلَّة المصنوعة يدويًا على يدٍ العمال بالمزرعة، انشرح صدره بابتهاجٍ وهو ينظر إلى زوجته التي اختلج قلبها رائحة رمضان الذكية بالعبادات والطاعات فابتسمت “شروق” ابتسامة واسعة ثم قالت:

-ما شاء الله، الكمية كبيرة تغطي المزرعة كلها!

أسرع “نوح” بتناول طرف خيط إحدى الزينات قبل أن يستمر بسحبها من الصندوق وهو يقول ببهجةٍ:

-أه طبعًا عندنا العمال محترفين في الزينة، شايفة الكمية دي كلها مأخدتش مننا ساعتين زمن.

انشرح قلب “مُهرة” وهي تسأل بحماسٍ:

-يعني هيفيض من الزينة علشان أعلقها في المطبخ!!

التفت “نوح” بعينيه إليها ثم رمى لها غمزة وهو يتابع بابتسامة عريضة:

-عيني ليكِ يا عيني.. هغرق لك المطبخ زينة.

عِمران يقول بضحكة مراوغةٍ:

-يا عيني على الحلو لمَّا الحُب يبهدله، يلا يا سيدي شد حيلك خلينا نلحق نعلق الزينة قبل ما أنام على نفسي!!

نوح يرد بحماسٍ:

-بعت حد من العمال يجيب لنا سلم خشب نقف عليه.

تقدم “كاسب” من الصندوق في هذه اللحظة ثم التقط طرف خيط لأحد أحبال الزينة وكذلك فعل “عُمران” بعد أن أتى العُمال بأكثر من سلم خشبي فصعد “نوح” الدرج وقام بعقد الحبل بإحدى الشجيرات قبل أن ينزل عن الدرج ويسحبه إلى الشجرة المقابلة ويعقد الطرف الآخر من الزينة بأحد أغصانها، بينما اصطحب “عِمران” أحد الأفرُع المزينة بفوانيس مضاءة ثم صعد لإحدى الشرف وقام بربطه بالمنشر الحديدي الخاص بالغسيل وألقى الباقي منه للأسفل فالتقطه “كاسب” على الفور وتقدم نحو الدرج الخشبي ثم صعده وقام بعقد الفرع بمنتصف نخلة شامخة تقبع أمام  البناية، كانت الشباب يؤدون هذه المهمات بهِمَّة ونشاط كبيرين واعتلت البسمة الوجوه كلها، وقف الشيخ “سليمان” بين الشباب داعمًا ومُحفزًا تعلو ضحكاته الوقورة في حديثه معهم وكأنهم أصدقائه المقربين وبقى يرشدهم حول الأماكن التي وَجب تزيينها، بينما تجمعت السيدات في حلقة دائرية صنعها الشيخ من أجلهن عبارة عن عدة حجارة تصطف بجوار بعضهم في حلقة ويقبع بالمنتصف الموقد وعلى ناره تستقر غلاية الشاي الرفيقة دومًا للشيخ، أصر “عُمر” أن يُشارك بما يستطع فكان يناولهم الزينة ويقبض بكفيه الصلبين على السلم الخشبي لتثبيته بالأرض حتى لا يهتز بالمواقف عليه، التقطت “رابعة” الغلاية عن النار وبدأت تسكب الشاي داخل الأكواب قبل أن تضعهم على صينية كبيرة وتتحرك بهم صوب الشاب بعد أن أعطت كل واحدة من الفتيات الكوب الخاص بها، تقدمت من الشيخ ووضعت الصينية أمامه فالتقط كوبه شكرًا مُمتنًا قبل أن تتجه بالأكواب إلى الشباب الأربعة وكذلك العمال، تنهد “سليمان” تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يجوب ببصره بينهم جميعًا ثم يقول برفقٍ ولينٍ:

-“أوَلا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟؟!

شُخصت الأبصار نحوه بتفاؤل واندماج فتابع بوجه بشوش وابتسامة هادئة:

-“افشوا السلام بينكم، اطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلُوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلامٍ”.

سكت هنيهة وتابع بودٍ موصولٍ:

-اللهم صلي وسلم وبارك عليه، صلوا عليه وسلموا تسليمًا!!

هتفوا جميعًا بمشاعرٍ متدفقة ممزوجة بالاشتياق قائلين:

-اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد.

لاحت صورة ابنه أمام عينيه وهو يتحرك جالسًا على أحد الكراسي بإحدى الزوايا فتلاشت ابتسامته رغمًا عنه وهو يتذكر هذه الأجواء وهذا التوقيت من كل عامٍ وكيف يحتفل به معهم بقلب صبي لازال في العاشرة من عُمره، سارت “سكون” إليه ما أن شعرت بذلك الضيق الذي خيَّم على ملامحه المضيئة وكاد يُطفأها فمالت إلى جبينه ثم قبلته بحنان كبيرٍ وقالت:

-بتفتكر تليد مش كدا؟!!

أومأ إيجابًا دون مواربة فتابعت بابتسامة كبيرة تُخبره بما وردها من أخبار حول عودته:

-فاضل يوم واحد وتشوفه.

قطب الشيخ حاجبيه وتساءل بلهفةٍ:

-معقول؟! بَلغكم إنه جاي؟؟

أومأت بسعادة وردت:

-كلم ماما وقال لها إنه حجز التذكرة خلاص وجاي بعد بكرا.

تنفس الشيخ “سليمان” الصعداء وهو يدعو بثباتٍ:

-ربنا يرده ليَّا ولزوجته ولأحبابه سالم يارب.

سكون وهي تلتقط كفه ثم تقبل ظاهره وتقول بودٍ:

-يارب.

تركته “سكون” يتابع عمله مع الشباب وتوجهت إلى مجلس السيدات مرة ثانية، كانت “وَميض” تجلس شاردةً في زوجها ولحظة وصوله وكيفيه تلقيه الخبر منها بينما التفتت إليها “شروق” التي لاحظت حضور جسدها فقط معهم وتابعت بتوجسٍ:

-وَميض إنتِ كويسة حبيبتي؟! أخدتي الحقنة؟!

التفتت إليها الأخيرة التي رددت بابتسامة واهية:

-أنا كويسة الحمد لله.. مهرة ادتها لي من شوية.. أنا بس قلقانة من رد فعل تليد جدًا!!

مُهرة وهي تؤيد كلامها بقلقٍ مبكرٍ عن وقته:

-أنا لازم أخبي جوزي.. أنا مش مستغنية عنه.

انفلتت ضحكة ناعمة من فمٍ “نجلا” التي توجهت بنظراتها إلى “مُهرة” ورددت بهدوءٍ:

-حقك تخافي دا هو صاحب الفكرة والراس الكبيرة والعقل المُدبر يعني هيتروق.

عضت “مهرة” على شفتها السُفلى بتوترٍ كامنٍ قبل أن تسأل متوجسةً:

-تفتكغي يا أبلة نجلا.. تليد هيعمل فيه أيه؟؟

نجلا وهي تضحك ملء شدقيها من ملامح الأخيرة المثيرة للضحك ثم تتابع:

-مش قادرة أحدد بس في كل الأحوال ارضي بقضاء الله، كل اللي يجيبه ربنا حلو.

شهقت “مُهرة” فجأة قبل أن تمط شفتيها وهي تقول باستنكارٍ:

-هيموتهولي ولا أيه؟! بعيد الشغ عنه.

قطعت “وَميض” حديثهما وهي تلتفت إلى “مهرة” وتقول بثباتٍ:

-مُهرة، بَلغي نوح إني عايزة أعمل سونار.

قطبت “شروق” ما بين حاجبيها ورددت بتساؤل مُهتمٍ:

-مش قولتي إنك مش هتعملي سونار غير وتليد معاكِ؟!!

أومأت قبل أن تتابع بهدوءٍ:

-أنا محتاجة صورة للبيبي علشان المفاجأة اللي هعملها لتليد، وقبل ما يتحول علينا كلنا أوريه الصورة يمكن يهدى!!

أومأت “سكون” بإعجاب لفكرتها وقالت:

-أنا مع الرأي دا.. تليد هيكون راجع شايط ومفيش حاجة هتمتص غضبه من المقلب غير صورة السونار.

 شروق بسعادة وحماسٍ:

-تمام يبقى بُكرا نروح كُلنا معاكِ تعملي السونار.

ضحكت “وَميض” بدفء قبل أن تلتقط كف صديقتها وتقول بلينٍ:

-نروح كُلنا طبعًا.

في هذه اللحظة، أبصرت “نجلا” ابنها يتصافح منسجمًا مع الشيخ “سليمان” والشباب قبل أن يتحرك متقدمًا منهن، انفرجت أسارير وجهها فور رؤيته قبل أن يتقدم إليها مُباشرة ثم يطبع قُبلة طويلة على جبينها وهو يقول بحُب كبيرٍ:

-ست الكُل.. وَحشتيني يا أمي.

نجلا بقلبٍ يتطاير سعادة:

-وإنتَ وحشتني يا نور عيني.. ربنا يحميك.

تركها وتحرك صوب “سكون” ثم مال يطيع قبلة ودودة على وِجنتها مُضيفًا برفقٍ أخوي ودود:

-مفتقدك جدًا يا صغنن!!

سكون بسعادة حقيقية ترتطم بثنايا قلبها وهي ترد:

-حمد لله على سلامتك.

رد بهدوءٍ وهو يتحرك صوب “وَميض”:

-الله يسلمك.

أسرع جالسًا بجوار “وَميض” يرمقها بنظرات متمعنة قبل أن يطوق كتفيها بذراعه ثم يجذبها إلى أحضانه ويقول بابتسامة ودودةٍ:

-أخبارك أيه دلوقتي يا ست البنات؟! والجنين؟! خلي بالك منه علشان خاله مستنيه على أحر من الجمر.

أومأت بابتسامة هادئة وهي تستند برأسها على صدره ثم تضع يدها على بطنها تمسد عليها وتقول بخفوتٍ:

-أنا كويسة طول ما إنتَ كويس يا يحيى والبيبي كمان فرح لمَّا حس بوجودك، ياريت كُنت جنبي وفي حياتي من زمان، متأكدة إني كُنت هبقى أقوى من كُل الضعف اللي أنا فيه دلوقتي.

أطرقت “نجلا” برأسها في ضيقٍ ما أن لمست مشاعر ابنتها الناقمة عليها، طبطب “يحيى” بكفه على كتفها وقال بلهجة حانيةٍ:

-مفيش ضعف ولا حُزن من هنا ورايح، أنا جنبك وجنب الصغنن، بدعمكم وبحبكم وبلاش الماضي يتحكم في أي حاجة حلوة جاية بينا، أما بخصوص جوزك لو ما رجعش في ظرف أسبوع هجيبهولك من قفاه بطريقتي.

ابتعدت “وَميض” قليلًا في لهفةٍ قبل أن تقول بنبرةٍ مرتبكةٍ:

-بطريقتك إزاي؟! هتعمل له أيه؟! 

 افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ما أن لمس خوفها الهلِع عليه ليردد وهو يقرص وِجنتها برفقٍ:

-متخافيش أوي كدا، بهزر معاكِ.

لانت ملامحها فورًا بينما مال “يحيى” مُقبلًا جبينها قبل أن تُخبره هي بعد تنهيدة مهمومة:

-تليد أساسًا راجع بعد بكرا.

انفرج ما بين حاجبيه وتساءل متوجسًا:

-معقول، بالسرعة دي؟!!

سكون وهي تضحك ملء شدقيها وتقول بتلقائية:

-لأ، عن طريق صورتك، أصل ماما ونوح عملوا فيه مقلب وبلغوه إن وَميض عايزة تتطلق وفيه في حياتها راجل تاني وراحوا هوب دبل كيك بعتين له صورتك معاها.

جحظت عيناه وهو ينظر إليهم في دهشةٍ قبل أن يتوجه ببصره إلى “نجلا” ويقول بعتابٍ:

-بقى دا مقلب يتعمل مع راجل في غُربته يا أُمي، دا زمانه بيفكر في طريقة لإبادتي دلوقتي وهيكون عنده حق ولو جه وانفجر فيكم كلكم والله ما هحوش عنكم.

نجلا وهي تبتلع ريقها بصعوبةٍ وترد:

-نوح.. كله من نوح!

مُهرة وهي تنفعل بمرحٍ:

-جوزي بغيء حتى تثبت إدانته.. الصوغ مبعوتة من فون أبلة نجلا والدتك يبقى هي المُتهمة.

رفع “يحيى” أحد حاجبيه قبل أن يحك ذقنه وهن يتساءل بتوجسٍ:

-لحظة كدا.. هي بتنطق الراء غين؟!!

سكون بضحكة عالية ترد:

-مُنذ بدء الخلِيقة يا حبيب أختك.

هبَّت “مُهرة” في مكانها واقفةً قبل أن تقول بلهجة حاسمةٍ وهي تخطو أول خطواتها صوب زوجها المنشغل في تعليق الفانوس الكبير:

-أنا هغوح أحط خطة أنا وهو لصد هجمات المعتدي وإن شاء الله ربنا هينصغنا.

تحركت مُسرعةً إليه؛ فانطلقت ضحكات الجميع من خفة ظلها وشعورها الحقيقي بالقلق حيال ما سيفعله “تليد” بزوجها، تنحنح “يحيى” بخشونةٍ قبل أن ينهض واقفًا في مكانه ثم يقول بلهجة ثابتة:

-أمي.. ممكن نتكلم شوية.. عايزك في موضوع!

أومأت وهي تنهض على الفور خلفه ليقفا في زاوية نائية قليلًا قبل أن يلتقط “يحيى” كفيها بين راحته ثم يقول بابتسامة هادئة:

-أنا عارف إن الموضوع دا مش أول مرة هكلمك فيه بس علشان خاطري استجيبي لطلبي المرة دي؟!

تغضن جبينها فورًا بضيقٍ قبل أن تقول بنبرة حانقةٍ:

-حافظ تاني؟!.. حبيبي أنا لو شوفت أبوك هخنقه بإيديا دول.. هتكون مبسوط لمَّا تشوفني قتالة قُتلى وبالنسبة لوَميض فهي مستحيل تقبل تشوفه وكفاية اللي هي فيه!

أومأ بهدوءٍ قبل أن يتابع متفهمًا بغضها له:

-علشان خاطري.. طيب بلاش وَميض.. هو طلب يشوفك علشان عايز يقول لك كلمتين.. اسمعيهم منه وبعدها مش هيحاول يضايقك تاني!!

لوت شفتيها بامتعاضٍ قبل أن تسأل مُستنكرةً:

-كلمتين أيه دول؟!!

يحيى مبتسمًا بلين استجابتها لرجائه:

-عايز يعتذر لك ويريح ضميره، ممكن؟!

تنهدت “نجلا” تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تومىء مرددةً على مضضٍ:

-تمام، أول ما أكون مستعدة نفسيًا لمواجهة من النوع دا، هقابله.

أومأ “يحيى” في صمتٍ ثم جذبها بين ذراعيه ومسح على ظهرها برفقٍ أظهر فيه حُبًا شديدًا لها.

“على الجانب الآخر”.

مسح عرق جبينه بطرف كُمه قبل أن يسحب السلم الخشبي ويتجه به صوب المطبخ بينما حملت هي صندوق الزينة وسارت معه وما أن وضعه داخل المطبخ حتى تابع بمرحٍ كبيرٍ:

-هغرق لك المطبخ كله زينة علشان تطبخي بنِفس.

اتسعت ابتسامتها وهي ترد بفرحةٍ:

-ربنا يخليك ليا يا زوجي العزيز ويبعد عنك هجمات المعتدي!

رفع “نوح” أحد حاجبيه ورد بضحكة ساخرة:

-مُعتدي؟! باعتبار إني واحد من جنود  الحرب العالمية الثانية وجاي أعلق لكم الزينة في البريك صد رد كدا وراجع!

تدلى فكها لوهلة قبل أن تردد بضحكة مازحة:

-لأ المعتدي دا اللي هيكتشف خطتك كمان يوم وهيعمل منك بطاطس محمغة.

ضغط “نوح” على أسنانه قبل أن يثبت الدرج ويتجه صوبها قابضًا على ياقتها مُضيفًا بغيظٍ:

-دا أنا اللي هعمل من فخادك كَبسة سعودي، أنا يتعمل مني بطاطس محمغة؟!! اصبري وهتشوفي بعينك جوزك هيعمل أيه.

تهللت أسارير وجهها قبل أن تفرك كفيها وتقول بابتسامة ناعمةٍ:

-اوعى تجيب وغا أول ما تشوفه!!

نوح وهو يضرب صدره بقبضة يده في قوةٍ:

-عيييييب!

•~•~•~•~•~•~•~•~•

وقف مُرتديًا عباءته ناصعة البياض بين الحقول التي ترعرعت ثمارها واخضرت أوراقها فَرِحًا بما آتاه الله من فضله فشعر بأن هذه بُشرى آتية إليه، كان ينظر من حوله في تجلي وامتنان لعطايا الله قبل أن يستمع إلى صوت “شروق” تتكلم من خلفه:

-صباح الخير يا عمي سليمان، بص أنا جبت لك أيه؟!!

استدار ينظر إليها بفضولٍ ووجهه يبُش بالسعادة في وجهها ليجدها تمسك بين يديها إبريقًا وكوبًا لامعين للغاية؛ فتكلم منبهرًا في إعجاب:

-الله، شكلهم حلو أوي يا شروق.

انبسطت ملامحها بودٍ واتسعت ابتسامتها وهي تقدمهما إليه وتقول بحُب كبيرٍ:

-كُنت عارفة إنهم هيعجبوك علشان كدا جبتهم لك، خُدهم مني يا عمو!

فرد كفه أمامها مُسرعًا ثم قال بابتسامة دافئة:

-لأ، دول ليكِ إنتِ يا شروق، أنا عندي كوباية حلوة أوي، بصي كدا عليها!

نزل ببصره إلى كفه الأيمن ليجد فتاة صغيرة تتشبث به وتنظر إليه بلؤلؤتيها مبتسمةً في نعومةٍ وعذوبة أيضًا فاتسعت ابتسامته بفرحةٍ عارمةٍ غزت قلبه.

فتح عينيه في هذه اللحظة ليجد نفسه متسطحًا على الفراش وتتعامد أشعة الصُبح على أهدابه كأنما ترازيه وتسرق النوم من جفونه حتى يستيقظ كي يستعد لمقابلة ابنه الذي سيأتي اليوم؛ بينما ظل الحلم مُعلقًا بذهنه وابتسامة متفائلة تُزين ثغره، اعتدل جالسًا من نومته قبل أن تخرج منه تنهيدةُ طويلةُ وبعدها يردد أدعية خرجت من قلبه براحةٍ كبيرةٍ:

-أصبحنا وأصبح المُلك لله، اللهم ولا داعيًا إلا أجبته وجبرته وأعطيته ما تمنى فلا يضام من كُنت نصيره، اللهم رُد ابني إليَّ سالمًا غانمًا تحفه معيتك ولُطفك، في ودائعك دائمًا يارب.. أرواحنا وأهلنا ومن نُحب.. اللهم لا تقبض روحي إلا وأنا على حال تُحبه.

صمت لوهلةٍ قبل أن يبتسم بلُطف مُتذكرًا خيوط حلمه جيدًا قبل أن يغمغم بينه وبين نفسه:

-ابشري يا شروق.

•~•~•~•~•~•~•~•~•

ظلت جالسةً داخل سيارة ابنها لبعض الوقت بملامح واجمةٍ مكفهرةٍ لا تستسيغ أو تهضم لقائه بل جاءت كي لا ترد طلب ابنها الحبيب الذي توسل إليها مِرارًا حتى تأتي معه وتتواجه مع والده الذي يرغب في الاعتذار منها والتكلم حول ابنته التي يتوق بشدةٍ لرؤيتها بينما ترفض “نجلا” تحقيق ذلك له، بقيت عابسةً منذ أن وقف “يحيى” بسيارته أمام بوابة النادي حتى أنها ترفض الترجل من السيارة ليتكلم الأخير بمحايلة واستجداء:

-اتفقنا بقى يا أمي؟! علشان خاطري!

أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرد انفعالاتها المتأججة على شكل زفيرٍ ناري، أومأت بثباتٍ قبل أن تلتفت إليه ثم تقول بحزمٍ:

-إنتَ عارف كويس أوي إن المشوار دا زَعل “ماكسيم” مني.. إنتَ عارف ماكسيم بالنسبة لي أيه يا يحيى؟!.

أومأ إيجابًا قبل أن يردد بهدوءٍ:

-عارف إنه ضِلك.

أكملت “نجلا” بلهجة ثابتة:

-وضهري.. حَبني.. حَبني وغيَّر ديانته علشان كان عنده طول الوقت أمل إني أكون له.. مش بالسهل عليَّا أبدًا إني أجي مكان هو مش عايزني أروحه!

أومأ “يحيى” مُتفهمًا قبل أن يتابع بابتسامة مازحة:

-أوعدك لو قومتي بالخطوة دي.. أنا هدي له موافقتي على جوازكم من بعض وكمان من غير مَهر ولا قايمة.. أنا راجل مُتفتح وسَلس وبحب أيسر الجوازات علشان ربنا ييسرها معايا.

أوحى لها حديثه أن تسأله بفضولٍ رهيبٍ:

-إنتَ في واحدة في حياتك؟!!

أومأ سلبًا وتساءل بمكرٍ:

-عندك عروسة ليَّا!!

نجلا بابتسامة مُتسعة:

-ست العرايس.. عود نصه مش مصري كمان.. آيلين بنت المرحوم حمدي.

يحيى بابتسامة مازحة يقول:

-وأنا اشتريت.. أنزلي بقى يا أمي.. وَجعتي قلبي!!

نجلا وهي تردف بسرعةٍ ولهفةٍ:

-سلامة قلبك من الوجع.. نازلة خلاص.

تنهدت بحسمٍ قبل أن تترجل من السيارة ثم تخطو بخطوات راسخة للغاية داخل النادي وهي تتأبط ذراع ابنها الذي أوصلها حتى المطعم التي يمكث به والده كعادته كل يومٍ، بدأ “يحيى” يسحب ذراعه بهدوءٍ وقال ما أن أبصر والده يجلس في انتظارها:

-أنا هاخد لفتي وهسيبكم تتكلموا براحتكم!

لوت شدقها متبرمةً قبل أن تستسلم للأمر، صارت بخيلاء تقترب منه وبقى يتابعها بعينيه بنظرات تبدو منبهرةً مشدوهةً قبل أن تقف أمامه مُباشرةً وتضع حقيبتها على الطاولة، نظرت داخل عينيه المندهشتين قبل أن تسحب كرسيها قليلًا ثم تجلس عليه فورًا، جلست جلسة شامخة تشبك كفيها معًا بينما بقى هكذا لا ينطق البتة.. يتطلع إليها فقط.

بدأت تنظر من حولها بمللٍ قبل أن تلتفت إليه مرة ثانية وتقول بحنقٍ ولهجة شديدة:

-خلصت بَحلَقة يا حافظ وهتدخل في الموضوع ولا لسه شوية!!!

تنحنح بخشونةٍ قبل أن يتكلم بحنينٍ ينبعث من كلماته ويصل إلى أنفها الذي يستشعر كُل شيءٍ بدقةٍ:

-أخيرًا اتقابلنا يا نجلا.. أنا والله دَورت عليكِ كتير.

خرجت منها ضحكة ساخرة أسرعت بكتمها وهي تضع يدها بالقرب من فمها وتقول بسخرية:

-من الآخر.. جيب من الآخر يا حافظ علشان أنا عاصرة على نفسي ليمونة علشان أقعد معاك!.

أومأ قبل أن يقول بندمٍ طغى على ملامحه قبل كلماته:

-عايزك تسامحيني يا نجلا!!.. أنا عُمري ما قسيت قلب يحيى عليكِ.. طول الوقت كُنت بقول له إنك ست عظيمة وبمية راجل.

اتسع ما بين حاجبيها قبل أن تسخر بتهكمٍ:

-ولمَّا أنا بمية راجل شككت في أخلاقي وشرفي ليه؟! طلقتني ورميتني لكلاب السكك ينهشوا فيَّا ليه؟! جوعتني وجوعت عيالك ليه؟! أنتَ السبب الأول والأخير في فراقي عن عيالي وكسرة نِفسي، مدافعتش عني ليه وقتها وقولت لهم أنا مراتي بمية راجل ، ما داوتنيش ليه وقتها بكلمة (أنا مصدقك)؟، عايزني أسامحك يا حافظ؟! دا في أحلامك.

انهمرت دموعها رغمًا عنها تتذكر حسرتها ووجعها الذي شق قلبها نِصفين؛ رغم مرور الزمن الطويل على هذا إلا أن الوجع الذي شعرت به وقتها لا تزال تشعر به الآن، همَّت أن تتابع غضبها منه فوجدت كفًا يمد لها مِنديلًا وصوت رخيم يقول بلهجة ثابتة:

-امسحي دموعك!

رفعت بصرها إليه وقد تعرفت إليه من نبرة صوته لتجده يطالعها بنظرات معاتبة، التقطت منه المنديل ثم كفكفت دموعها على الفور قبل أن تجد “ماكسيم” يتابع بحزمٍ:

-لو الكلمتين خِلصوا فقومي علشان نمشي!!

رمقه “حافظ” بنظرات حادة قبل أن يتساءل حانقًا:

-مين دا؟!

مالت “نجلا” للأمام قليلًا ثم وضعت كفها أسفل ذقنها ورددت ببرودٍ شديدٍ:

-حبيبي.. ها؟! عندك كلام تاني عايز تقوله.. بس كلام يكون له معنى علشان منضيعش وقت بعض!!

نفخ “ماكسيم” بحنقٍ قبل أن يلتفت خلفه ثم يجر كرسيًا ويجلس عليه منضمًا إلى طاولتهما وما أن جلس حتى عقد ذراعيه أمام صدره ونظر بجمودٍ داخل عيني “حافظ” الذي أكمل بغيظٍ:

-عايز أشوف بنتي يا نجلا.. مِنْ حقها تعرف إني عايش ومُشتاق أشوفها!!

نجلا وهي تجيبه بلهجة شديدة:

-بنتك مش فارق معاها إنتَ عايش ولا ميت يا حافظ.. بنتك مش قادرة تسامحني وأنا مظلومة.. هتسامحك إنتَ الظالم؟! هتسامحك بعد ما تعرف رميتك لينا وتجويعنا وتشريدنا في البيوت والشوارع!!!

تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تقول بحسمٍ:

-كمل الباقي من حياتك زيّ اللي فات منها وانسى إن ليك بنت.

همَّت أن تنهض لتجده يقبض مُسرعًا على ذراعها ويقول بانزعاجٍ:

-نجلا.. أنا لسه مخلصتش كلامي؟!!

أومأ “ماكسيم” يمينًا ويسارًا وهو يزمجر بصوتٍ حادٍ ينهيه عمَّا يفعل، وضع كفه على كف الأخير ثم نفضه بقوةٍ عن ذراعها وهو يتابع متحكمًا في غضبه:

-إيدك جنبك وإنتَ بتكلمها.. عيب!

تراجعت عن النهوض قبل أن تتابع بثباتٍ وجديةٍ:

-حافظ إنتَ أبو عيالي.. إنتَ أبو الباشا.. أنا مُمتنة ليك علشان وصلت بيحيى لبر الأمان وبتمنى يكون بينا احترام مُتبادل تقديرًا لشخصية مهمة وناجحة زيّ يحيى.. أما السماح.. فأنا مش مسامحة.

تنهد “حافظ” تنهيدة طويلة قبل أن يتابع بلهجة ثابتة:

-أنا عايز أقول لك آخر اعتراف علشان أبقى خلصت ذمتي.. بس اللي هقوله دا يحيى ما يعرفش عنه حاجة.

رفعت أحد حاجبيها تحثه بإشارات من عينيها على الاستمرار، تنحنح بخشونةٍ وتوترٍ قبل أن يفجر قنبلته في وجهها:

-كُنت عايز أنتقم من عثمان السروجي وأبرد ناري منه وأبرد ناري من الشخص اللي كان السبب في تدمير حياتي وقررت أنتقم منه في بنته فزقيت عليها واحد من رجالتي علشان يدمر لها حياتها بس تراجعت في اللحظة الأخيرة وأمرت الشاب إنه ينسحب من حياتها نهائي لمَّا شوفت فرحة يحيى بأخواته وتعلقه بيهم.. يحيى روحه في البنات.

احتدت نظراتها إليه وقدح الشرر منهما وهي تردد في احتدامٍ:

-بنته دي اللي هي بنتي أنا؟!.. عايز تنتقم من عثمان السروجي في ضنايا أنا؟!.. إنتَ كدا بتنتقم منه ولا بتعيد وساختك معايا تاني؟ زين مش كدا؟!

أومأ إيجابًا ثم تابع بثباتٍ:

-ضيقتي منه خلتني مش عارف أميز يا نجلا.. أنا بعترف لك علشان أريح ضميري.. بنتك معاكِ وكويسة ومحدش يقدر يقرب منها.. مفيش داعي يحيى يعرف بالكلام دا.. كُنت أتمنى إنك تسامحيني.. أشوف وشك بخير!

نهض فورًا مغادرًا المطعم بل المكان بأكمله وسط نظراتها العدوانية والمتأججة صوبه وما أن غاب عن ناظريها حتى رددت بنبرة محتدة بالغضب:

-رجع لي شبابي وخليني أعيشه وسط ولادي من غير فراق يا حافظ وأنا أسامحك!!

•~•~•~•~•~•~•~•~•

تجولت مِرارًا بين غرفة النوم والصالة تروح بلباسٍ وتأتي بغيره، تقوم بعرضهم على الفتيات لاختيار الأفضل من بينهم لارتدائه، وقفت أمامهن تحمل بين يديها فستانين قصيرين تنظر إليهما في حيرةٍ قبل أن تقول بتوترٍ مُشتعلٍ في نبرتها:

-أنهي الأحلى يا بنات؟! الوقت بيجري وأنا لسه ما اختارت هلبس أيه؟!

نظرن إلى ما في يدها قبل أن تزوي “شروق” ما بين عينيها ثم تقول بغير اقتناعٍ:

-الاتنين مش عاجبيني.

أيدتها “سكون” في رأيها وهي تقول باستطرادٍ:

-بالظبط، إنتِ محتاجة حاجة ضيقة أوي على جسمك تبين معالمه وتبين حجم بطنك بالأخص.

أسرعت “مُهرة” تقول بهزلٍ:

-حاجة 80 % ليكغا يعني.

تنهدت “وَميض” بضيقٍ قبل أن تسرع إلى غرفة النوم وتبحث عن ملبسٍ بنفس هذه المواصفات التي يرونها مناسبة لاستقبال زوجها بعد سفرٍ شهرين، بحثت بعينيها بدقةٍ شديدةٍ قبل أن تجد مبتغاها تمامًا، عادت إليهن من جديدٍ تلوَّح به أمامهن وتضيف بحماسٍ أنساها توترها المتفاقمة كلما اقتربت لحظة وصوله:

-أيه رأيكم في دا؟!

اتسعت بسمة الفتيات وهن يقلن في نفس واحدٍ:

-هو دا.

أومأت بفرحةٍ وتوجهت لارتدائه بغرفتها وما أن لبسته حتى تحركت صوب المرآة وبدأت تتأمله على جسدها خاصة منطقة بطنها التي ظهرت بوضوحٍ رغم أنها لا تزال في شهورها الأولى ولكن الفستان الأبيض أظهر بشدة انتفاخ بطنها الصغيرة، اعتلى ثغرها ابتسامة عريضة وبدأ قلبها يخفق بقوةٍ من شدة الحماس؛ فرؤيتها له اليوم ستعيد الحياة إلى قلبها، شردت للحظات تتخيله لحظة استقباله الخبر؟! هل سيقفز من شدة الفرح أم سيكون خبرًا عاديًا بالنسبة له وربما يشعر بالضيق لأن ثمة روح تقف أمام مخططاته ورغبته في الانفصال عنها؟؟!

سحبت عقلها من الانجراف خلف هذه الأفكار السلبية ثم بدأت تعيد تمشيط شعرها الذي مشطته قبل قليلٍ قبل أن تخرج عليهن دون أن تنبس ببنت شفةٍ، صاحت “سكون” تقول بإعجابٍ شديدٍ:

-يا روحي عليكِ، زيّ القمر وإنتِ حامل، البيبي أضاف لك جمال فوق جمالك.

رمقتها “شروق” بنظرات حنونة قبل أن تقول بسعادةٍ:

-اللهم بارك، اختيار موفق للفستان، الحمل لايق أوي عليكِ يا وَميض.

مُهرة بابتسامة هادئة تتأمل هيئة الأخيرة وتقول:

-هتبقى أحلى مامي في الدنيا.

أمعنت “وَميض” بنظراتها الدافئة داخل عيني “شروق” قبل أن تردد بتمني:

-ربنا يرزقك وأشوفك أحلى حامل في الدنيا عاجلًا غير آجل إن شاء الله.

رددت الفتيات خلفها برجاءٍ:

-يارب.

اندفعت نحو صندوق الهدية ثم حملته بين يديها وعادت إليهن وهي تردف بتوترٍ شديدٍ:

-تفتكروا هيفرح بالمُفاجأة؟! أنا خايفة اللي عملناه يضايقه ويزعل!!

مُهرة وهي ترد فورًا:

-نوح قال لي إنهم اتحغكوا من المطار وعلى وصول، سلمي أمرك لله، ربنا يهدي سركم حتى لو تتضايق شوية بعدها هيهدى!

أومأت في تماسكٍ تتدبره منذ الصباح قبل أن تستسلم لتوترها وتبكي، بينما تابعت “سكون” برفقٍ:

-البلورة شكلها يجنن وهي جواها صورة البيبي كدا، مُتأكدة إنه أول ما يشوفها هينسى كل الزعل اللي بينكم وياخدك في حضنه.

وهنا وقفت “شروق” في مكانها قبل أن تنظر إلى الفتيات وتقول بحسمٍ:

-إحنا هننزل بقى دلوقتي ونسيبك تستعدي وتنجزي كل اللي إنتِ حابة تعمليه.

أيدتها باقي الفتيات وهن يتحركن معها خارج الشقة قبل أن تتوقف “مُهرة” وتلتفت إليها بتذكرٍ:

-صحيح، اوعي فرحتك برجوع جوزك تنسيكِ العلاج!!

اتسعت ابتسامة “وَميض” وأومأت في هدوءٍ لتنصرف الأخريات في الحال إلى أشغالهن، بدأت تلتفت حولها لتتأكد ما إن كان ثمة شيء يحتاج إلى ترتيب ولكن الفتيات قاموا بترتيب المكان بأكمله وقامت “مُهرة” بوضع عدة أكلات في الثلاجة والكثير من الفاكهة الطازجة المقطوفة من حقول المزرعة كي تأكل كلما جاعت فتقوى على حمل جنينها.

“على الجانب الآخر”.

داخل سيارة “نوح” تحديدًا، ظل “تليد” يحدق إليه بنظرات حانقة بينما بقى الأخير صامتًا لا يرد على أسئلته ليُثير غضبه واستفزازه أكثر فيصيح بلهجة شديدة:

-نوح، أنا بكلمك يبقى ترد عليَّا!!

تظاهر “نوح” بالجدية والضيق رغم رغبته المُلحة في إظهار عكس ذلك ثم تابع بهدوءٍ:

-قولت لك مراتك هي اللي هتجاوبك على كُل أسئلتك يا تليد وإنتَ بردو مُصر!

ضغط “تليد” على أسنانه بغيظٍ مكتومٍ وردد:

-ما هو أنا لو شوفتها هفقد سيطرتي على نفسي تمامًا علشان كدا بسألك إنتَ، مين الخَسيس اللي حاطط عينه على واحدة متجوزة دا؟!

تنحنح “نوح” بقلقٍ قبل أن يرد متوجسًا:

-تفقد سيطرتك إزاي؟! هتضربها ولا أيه؟! لأ أبوس إيدك دا إحنا ملصمينها، بص أنت قبل ما تاخد موقف لازم تسمعها!!

سكت هنيهة ثم أضاف بريبةٍ:

-وبعدين انسى إن في راجل خالص، هي أصلًا ملهاش علاقة بيه ومش بتحب غيرك، خُد مراتك في حضنك وانسى أي حاجة فاتت وعيش الحياة اللي كان نفسك فيها معاها!!

هدأت أنفاسه المضطربة قليلًا وهو يسأل بلهفةٍ:

-هي كويسة؟!!

نوح بابتسامة هادئة:

-أه كويسة بس لمَّا تشوفك هتبقى كويسة أكتر وإنتَ كمان هتبقى كويس يا بابا.

تعجب “تليد” من كلمته الأخيرة وتساءل باستغرابٍ:

-بابا؟!!

نوح وهو يردد مُسرعًا بارتباكٍ:

-بابا المجال يا عمنا، إنتَ ناسي الحُب الأسطوري اللي بينك وبينها؟! كُلنا بنتعلم الحُب والتصديق على المشاعر منك.

أوقف السيارة في هذه اللحظة أمام بوابة المزرعة ثم ردد وهو يترجل منها متوجهًا إلى المقعد الخلفي لالتقاط حقيبة السفر:

-حمد لله على سلامتك يا شيخ تليد، المزرعة نورت.

ترجل “تليد” من السيارة وسار داخل المزرعة برفقة “نوح” الذي طلب من أحد العمال أخذ الحقيبة وتركها أمام شقة الأخير، توجه “تليد” بلهفةٍ كبيرةٍ إلى مجلس والده المفضل ليجده جالسًا فيه بالفعل فردد بنبرة مشتاقةٍ:

-شيخ سليمان!

التفت “سليمان” بلهفةٍ كبيرةٍ نحوه فتقدم “تليد” مُسرعًا إليه ثم قبض على كفه وظل يُقبل ظاهره عدة قُبلات ودودة بينما مسح الشيخ برفقٍ على فروة رأسه وقال بهدوءٍ:

-ربنا يرضى عليك يابني.. وَحشتني يا تليد!!

رفع “تليد” وجهه إلى دماغ والده ثم قبلها بلُطفٍ وقال:

-إنتَ كمان وَحشتني يا بويا وحقك عليَّا أنا آسف!!

سليمان وهو يبتسم مرددًا في هدوءٍ:

-الأسف دا مراتك أحق بيه مني يا بني، دي يا نور عيني من يوم ما بعدت عنها وهي لا بتاكل ولا بتنام!

بدأ يتنقل بنظراته بين والده ونوح قبل أن يتساءل بضيقٍ:

-أمال أيه حوار العريس اللي عايز يتجوز مراتي والكلام الأهبل دا؟!!

ارتعب “نوح” خوفًا أن يهيج صديقه عليه فقد حانت لحظة الحقيقة ولكنه وَجد الشيخ “سليمان” يقول بثباتٍ:

-الكلام الأهبل دا من تأليفي علشان أردك عن أخطائك في حق بنت الناس يابني.

مسح “تليد” على غُرة رأسه قبل أن يتجرع ضيقه وغضبه من الموقف أمام والده، سكت للحظات التقط فيهم “نوح” أنفاسه مُمتنًا للشيخ سليمان كثيرًا وهنا تكلم “تليد” بنبرة أكثر هدوءً:

-اللي تعمله وتشوفه يا حبيبي لازم يكون الصح.

أقبل كل من بالمزرعة سعداء بعودته مرحبين به قبل أن تتابع “سكون” بمرحٍ حينما وجدته ينظر من حوله يتفقدها بينهم:

-فوق.

أقبل كل من بالمزرعة سعداء بعودته مرحبين به قبل أن تتابع “سكون” بمرحٍ حينما وجدته ينظر من حوله يتفقدها بينهم:

-فوق.

أومأ مُبتسمًا في هدوءٍ قبل أن يستأذن مُنصرفًا إلى شقته ويغادر العمال إلى رأس عملهم، فركت “سكون” كفيها معًا بينما رددت “شروق” بتوترٍ مثيل:

-أنا خايفة!!

نوح وهو يردد متوجسًا:

-الشيخ سليمان دارى على جريمتي بس حاسس إن وَميض هتفضحني فضيحة بجلاجل.

مُهرة وهي تبتلع ريقها بقلقٍ:

-أنا بقول إننا نروح وراهم تحسبًا لأي خلاف بينهم، أنا بصراحة خايفة على البيبي.

أيدوا رأيها مقررين التوجه خلفه للتدخل في حالة الطوارئ فقط، قطب “سليمان” ما بين عينيه ثم صاح بلهجة حازمةٍ:

-مكانك إنت وهي.. ناويين تتصنتوا على راجل ومراته!

وقف “تليد” أمام باب الشقة ثم التقط الحقيبة وقبل أن يطرق الباب وجده مفتوحًا، خفق قلبه بشدةٍ لرؤيتها أخيرًا فدفع الباب برفقٍ ولكنه وجد الصالة فارغةً ليبدأ بتحريك حدقتيه بلهفةٍ في كل زاوية باحثًا عنها ثم ردد بلهجة لينةٍ:

-وَميض!!

ارتقب ظهورها لإشباع عينيه المتلهفة لرؤيتها ماثلة أمامه، كيف أصبحت في غيابه؟! هل حزنت بشدة ونَقُص وزنها؟! أم ذبلت ملامحها من شدةٍ البكاء؟! وفي الحالتين لن يزيدها الحُزن إلا جمالًا، ترك الحقيبة بالصالة ثم توجه بخطوات هادئة صوب غرفة نومها فوجدها مُحكمة الغلق ليدرك على الفور وجودها بالداخل وعدم رغبتها في لقائه تعبيرًا عن حُزنها منه، طرق الباب بترفقٍ لا يشبه تخبط قلبه شغفًا لرؤية الامرأة الوحيدة التي استقرت به منذ خلقه الله مرورًا بصباه وشبابه ورجولته وكامل نضجه كانت ولا تزال سيدة قلبه الأولى والوحيدة.

-وَميض!!

أردف بهدوءٍ وما هي إلا لحظات حتى سمع توجعًا وأنينًا ينبعثان من وراء الباب، اضطرب قلبه ضيقًا وابتلع غِصَّة مريرة في حلقه قبل أن يتابع بندمٍ:

-وَميض.. افتحي.. عايز أشوفك!

خرج صوتها مُتحشرجًا وهي تقول ببكاءٍ:

-رجعت ليه؟! 

أسند “تليد” جبينه على الباب قبل أن يردف نادمًا حزينًا:

-رجعت علشان خوفت تروحي مني.. أنا آسف.. أنا مش قد بُعدك عني.. مش هعرف أواجه وجع زيّ دا.. حقك على راسي.. افتحي!

كانت تجلس مستندة بظهرها إلى الباب، قامت بمحو دموعها المنسكبة بلا توقف قبل أن تنهض واقفةً في مكانها ثم تفتح الباب بهدوءٍ على مصراعيه، ظهرت أمامه بوجه شاحبٍ وعينين منتفختين وجسدٍ هزيلٍ؛ هذه أول الأشياء التي استطاع ملاحظتها قبل أن يُطيل النظر إلى وجهها وتفاصيله في اشتياقٍ بالغٍ ويقول بقلبٍ خافقٍ:

-وَحشتيني!.

كانت تنظر إلى عينيه بوميضٍ لامعٍ ينبعث من عينيها بسعادةٍ غامرةٍ قبل أن تمسد على بطنها الصغير ثم تقول بنبرة باكيةٍ:

-بجد وحشناك!!

نزل بعينيه إلى بطنها يحدق فيه بنظرات مصدومةٍ وعبارتها تتردد باستمرارٍ على سمعه، افتر ثغره عن ابتسامة متوترة وهو يصوب عينيه المتسعتين إليها تارة وأخرى إلى بطنها قبل أن يقول بتلعثمٍ:

-وحشناك؟! إنتوا مين؟!!

مدَّ ذراعه إلى بطنها مُسرعًا يلمسها بأطراف أنامله قبل أن تُجيبه هي بابتسامة مُتأثرة وهي تضع كفها فوق كفه القابع على بطنها:

-أهلًا يا بابا.. أخيرًا شوفتك وسمعت صوتك؟! إنتَ كُنت واحشني أنا وماما أوي وكُنت خايف مشوفكش أبدًا.. ماما عيطت كتير وهي بتستناك بس إنتَ خلاص مش هتبعد عنها تاني!!

حدق مصدومًا داخل عينيها بقوةٍ وبدأ لا إراديًا يمسد بطنها في حالة من الهذيان ناتجةً عن فرط اضطرابه وهياج مشاعره التي تفاقمت للغاية في هذه اللحظة، تحررت دمعة من عينيه قبل أن يردد بأنفاسٍ مضطربةٍ:

-إنتِ بجد حامل؟! 

لم تتحمل انسكاب دمعاته التي تراها للمرة الأولى فأسرعت تمحو دموعه بأطراف أناملها ثم هزَّت رأسها وقالت بابتسامة عريضة:

-أيوة.. إنتَ هتكون بابا!.

سكتت هنيهة ثم ابتعدت عنه قليلًا تلتقط العلبة وتضعها بين يديه وهي تقول بحماسٍ:

-حتى شوف بنفسك!!

التقط العلبة منها على الفور بحماسٍ يغلي على مِرجل صدمته ثم فتحها ليجد بلورة زجاجية شفافة يقبع داخلها صورة لأشعة سونار تُظهر جنينًا في طور تكويناته الأولى ويتناثر اللؤلؤ من حولها، هاجت مشاعره تأثرًا وهو يمعن النظر بعينين مُحبتين إلى جنينه قبل أن يضع البلورة بحرصٍ داخل علبتها ثم يضعها جانبًا ويعود إلى زوجته مرة أخرى وهو يردد بقلبٍ يتراقص فرحًا:

-أنا نص فرحتي علشان هكون أب ونصها التاني علشان هتكون حتة منك.. إنتِ عارفة أنا حلمت أد أيه بيكِ وبحياتنا.. طب إنتِ عارفة إني في اللحظة دي بلغت قمم أمنياتي؟! أنا سفح أحلامي كان إني أخلف منك إنتِ وإن ربنا عز وجل يلهمني الأبوة عن طريقك ومن رحمك!.

خارت حصون ثباته وتماسكه فانهمرت دموعه شُكرًا لله على عطاياه ليجذبها بقوةٍ بين أحضانه يبكيان معًا وهو يُقبل رأسها تارة ووِجنتها أُخرى ولا يرغب على الإطلاق أن يستيقظ من لذة هذه اللحظة التليدة التي تحاكي الأمجاد في عَظمتها؛ تذكر في هذه اللحظة حينما كان يخبره والده دومًا عن معنى اسمه فيقول: ” تليد هو الإرث ذو القيمة والمجد العظيم”.. ثم يستكمل الشيخ قائلًا: “وأنتَ يا وَلدي إرثي الوحيد في هذه الدنيا؛ فالمال والأملاك لن تؤخذ إلى القبر ولا هم بصدقة جارية للمرء في مماته؛ وحدهم الأبناء الإرث الذي من أجله تموت إن سُلب منك؛ فهم الصدقة الجارية الوحيدة لكَ بعد موتك”.

استمر يحتضنها لفترة طويلة لا يستطيع إبعاد قلبه عن ملامسة قلبها قبل أن يبتعد فجأة ويتجه إلى الدولاب ثم يُحضر ثوبًا وحجابًا منه ويعود إليها مرة أخرى ويشرع في البساهم لها وبعد ذلك يميل قليلًا ويحملها بين ذراعيه مرددًا بحماسٍ أطار عقله:

-مين الدكتورة اللي بتتابعي معاها!!

عضت على شفتها السُفلى في دهشة قبل أن تقول بتوجسٍ:

-بتابع مع نوح، إنتَ ناسي ولا أيه؟!!

أومأ متذكرًا قبل أن يتجه صوب باب الشقة لتردف هي بدهشةٍ:

-إنتَ واخدني على فين؟!

تليد وهو يفتح الباب بطرف قدمه ويقول بلهجة حاسمةٍ وصدر مُنشرحٍ:

-هنروح نعمل سونار.. عايش أشوف الكتكوت واسمع نبضه!!.. و…

توقف عن الكلام فجأة حينما وجد أربعة رؤوسًا يميلون إلى الباب ويسترقون السمع من خلفه وما أن انكشف أمرهم حتى افتر ثغرهم عن ابتسامة متوترة ليصيح “نوح” متوترًا في مزاحٍ:

-أنا حسيت بردو إنكم محتاجيني.. كُنت بتسأل عليَّا؟!

رفع “تليد” أحد حاجبيه قبل أن يردد بلهجة ثابتة:

-طالما عرفت إني بسأل عليك.. يبقى عارف ليه؟! الجنين دلوقتي فيه نبض؟!!

أومأ “نوح” إيجابًا؛ فتابع الأخير بحسمٍ:

-طب يلا بينا على المركز عندك علشان نسمعه!!

نوح وهو يتساءل مندهشًا:

-وإنتَ شايلها كدا ليه عايز أفهم؟!!

تليد بثباتٍ:

-علشان ما تمشيش على الأرض!

نوح وهو يقبض على ذراعه ويردد بتوسلٍ:

-الحامل بتمشي على الأرض عادي.. استهدى بالله.. أبوس دماغك.. نزلها وما تجريش بيها علشان المطبات دي غلط عليها!!..  إنسان الغاب طويل الناب من فضلك اهدي.. امسك العقل دا مُجرد حمل!

رمقه “تليد” بنظرة شذرة قبل أن يصيح بصوت رخيمٍ:

-مُجرد حمل؟! أنا مراتي طول ما هي حامل ما تمشيش أبدًا.

نوح وهو ينصحه بضحكة مازحة:

-بلاش الرجولة تاخدك وتتك على الجُملة دي أوي علشان انتفاخات الشهور الأخيرة لها رأيّ آخر!

تليد وهو يتوجه ببصره إلى زوجته ويقول بمزحٍ واستمتاعٍ:

-توت توت.. البيضة دي فيها كتكوت!

فتحت “وَميض” فمها على وِسعه وانفجرت ضحكاتهم ثم صاح “تليد” بغيظٍ في “نوح” الذي استجاب لرغبته وسار معه إلى السيارة ثم ركبوا جميعًا متجهين إلى غرفة الكشف؛ فطلب منها “نوح” أن تتسطح جيدًا ثم ناول “مُهرة” الجِل المخصص للأشعة فأنزلت الستار وبدأت في دهن بطنها ثم التقطت الجهاز منه وبدأت تمرره على منطقة الرحم عندها ليظهر الجنين بوضوحٍ في الشاشة وسط وسعادة كبيرة منهم، وهنا تابع “نوح” بهدوءٍ:

-ما شاء الله.. جاهزين تسمعوا النبض؟!!

أومأ الجميع في حماسٍ قبل أن يضغط “نوح” على أحد الأزرار فينبعث صوت نبضات متتالية  ومتسارعة، تنهدت “تليد” بعُمقٍ كبيرٍ كأنما يُنعش انتظار قلبه الطويل وعقله يتساءل في هذه اللحظة: “كيف لإنسان أن يحيى بنبضٍ آت من قلبٍ آخر؟!”.

تهللت أسارير وجهها فأسرع إليها يُقبل جبينها بعُمقٍ وامتنانٍ لمنحها إياه فوزًا عظيمًا على هيئة نُطفة.

»القاعدة الثانية في قانون الحياة».

“لا يتوقف الإنسان حينما تنهكه الحياة بل حينما تنتهي أنفاسه ودون ذلك فأسعى وقاوم”.

•~•~•~•~•~•~•~•~•

“يوم الولادة”

ساق السيارة بسرعةٍ رهيبةٍ يتحرك بأعجوبة بين السيارات ويسبقهم بينما تجلس “وَميض” في المقعد الخلفي وتستقر رأسها على صدر شقيقتها وهي تصرخ بألمٍ مُفجعٍ واضعةً يدها على بطنها وصوتها المتقطع يقول في بكاءٍ:

-مش قادرة أستحمل أكتر من كدا.. بموت يا سكون!!

تلألأت عيني “سكون” بالدموعٍ خوفًا على شقيقتها فبدأت تمسد على شعرها برفقٍ ثم تقبل جبينها المتندي بالعرق وهي تتوجه بحديثها المتوتر إليه:

-يا ريتنا كُنا فضلنا في المستشفى بدل الوجع اللي هي فيه دلوقتي!!!

تنهد “تليد” تنهيدة ممزوجة بخوف شديدٍ يستولي على قلبه وهو يردد بتوجسٍ:

-نوح مش عايز يستسهل ويولدها قيصري فطلب مني أخليها تتمشى شوية وتستحمل حتى يوم كمان!

سكت هنيهة ثم أضاف:

-عمومًا اللي ربنا رايد بيه إحنا راضيين بيه، مش لازم طبيعي الأهم هي متتوجعش أكتر من كدا.

في تلك اللحظة تابعت “مُهرة” التي تجلس بجواره بالأمام:

-ربنا ييسغ له الصعب ويجعلها ولادة سهلة بمشيئة الله.

كانت سيارة “نوح” تلاحق سيارتهم ومعه الشيخ “سليمان” ورابعة وشروق وزوجها بينما طارت “نجلا” بسيارتها تسبقهم إلى هناك وخلفها سيارة “كاسب” الذي يصطحب معه “عُمر” وبقلوب خائفةٍ هرولوا خلفها لمساندتها في هذه اللحظة والدعاء لها، توقف “تليد” فجأة أمام بوابة المستشفى ونزل مسرعًا يتجه إليها ثم حملها بين ذراعيه وركض بها للداخل ليهرول “نوح” أمامه والذي صاح في صالة الاستقبال بالمركز:

-سرير نقال بسرعة هنا!

أسرع “تليد” بوضعها على السرير قبل أن يسحبها التمريض بأمر من نوح إلى غرفة العمليات بينما يتجه هو لاستعجال الطبيبة التي ستجري العملية لها؛ وكانت هذه رغبة “تليد” أن تلد زوجته على يدٍ طبيبةٍ فقرر “نوح” أن يكون مساعدًا لها احترامًا لرغبة صديقه.

توقف الجميع بقلوبٍ مرتعبةٍ أمام غرفة العمليات يدعون ويبتهلون إلى الله أن تكون ساعة يسيرة عليها وأن تخرج منها سالمة هي وطفلها الذي لم يتضح هويته الجنسية في السونار طيلة فترة حملها لأنه كان يضم ساقيه ويضع كفيه أسفل بطنه معيقًا فضولهم حول معرفة نوعه.

أخذت “نجلا” تروح وتأتي في صالة الاستقبال بقلقٍ وارتباكٍ شديدين ولكنهما لم يمنعاها عن رؤية تلك الواقفة بغير اتزانٍ في زاوية ما، زوت “نجلا” ما بين عينيها وهي تبصرها تميل للأمام تارة والخلف أخرى كأنما فقدت قدرتها على التوازن والثبات، هرعت “نجلا” نحو “شروق” التي استندت بجسدها على الحائط ثم أردفت بقلقٍ:

-شروق مالك؟! حاسة بأية؟!!

شروق وهي تردف في إعياء شديدٍ:

-دايخة أوي.

أسرعت “نجلا” بإحاطة خصر الأخيرة بذراعها قبل أن تسحب ثقل جسدها على صدرها ثم تسير بها بعيدًا عن الأنظار وهي تقول بتوجسٍ:

-شروق إنتِ على الحالة دي من فترة، ليه مش بتروحي لدكتورة؟!!

شروق تجيبها بإيجازٍ:

-شوية إرهاق يا طنط.

ضيقت “نجلا” عينيها لوهلةٍ وشردت في ملامح “شروق” الباهتة والأعراض التي تلاحظها عليها منذ فترة طويلة قبل أن تلتفت إلى تلك الممرضة التي تقف أمام إحدى الغرف ثم تشير لها بكفها أن تأتي وما أن حضرت الأخيرة حتى رددت “نجلا” هامسة بالقرب من أذنها ببعض الكلمات المتخفية ثم تناولت بعض النقود من حقيبتها وأعطتهم لها؛ فذهبت لعدة دقائق ثم عادت من جديدٍ وهي تناولها شيئًا ما فتردد “نجلا” بابتسامة هادئة:

-شكرًا يا قمر.. خلي الباقي معاكِ.

نزلت بعينيها إلى وجه “شروق” المستند في إنهاكٍ على صدرها قبل أن تقول بلهجة ثابتة وهي تخرج الاختبار من جُعبته:

-خلينا نعمل الاختبار دا ونشوف التعب دا من أيه؟!

نظرت “شروق” إلى الاختبار باستنكارٍ قبل أن تدفن وجهها في صدر “نجلا” وتردد بصوت باكٍ:

-أنا بتشائم من الاختبار دا.. أنا ما بخلفش.. كل مرة بعمله نتيجته بتكون سلبية.. ابعديه عني يا طنط.. أنا بس صدعت علشان العربية كانت بتتحرك بسرعة!.

هزَّت رأسها بقوةٍ ترفض الانصات لنصيحة “نجلا” التي مسحت برفقٍ على وِجنتها وقالت تلين عقلها:

-علشان خاطري خليني اطمن عليكِ وبعدين إنتِ لازم تكوني شخص مثابر وصبور عارف كويس أوي إن كُل شيء يقدره الله بوقت وميعاد ومفيش حاجة بتسبق أوانها!!.. على الأقل نطمن عليكِ علشان لو في حمل تاخدي بالك من حركتك وعلى فكرة أنا مش بعشمك والله بس أنا متفائلة أوي، نعمله؟!

ابتعدت “شروق” عنها قليلًا قبل أن تفرك كفيها معًا ثم تومئ موافقةً على مضضٍ منها، توجهت بها إلى الحمام فدخلت “شروق” وقامت بعمل الاختبار ولكنها لم ترد انتظار النتيجة فخرجت ثم وضعت الاختبار في يدٍ الأخيرة وهي تقول بنفاد صبرٍ:

-مش عايزة أستنى النتيجة، خليه معاكِ.

خرجت “شروق” مُسرعةً ثم جلست على أول مقعد قابلته بينما وقفت “نجلا” في مكانها تطالع الشريط على أحر من الجمر إلى أن اتسعت حدقتيها ثم تلقائيًا صاحت بفرحةٍ:

-شرطتين.

أسرعت تنادي على إحدى الممرضات التي جاءتها في الحال فوضعت “نجلا” الاختبار أمام عينيها وتساءلت متوجسةً:

-إنتِ شايفة شرطتين ولا أنا بيتهيأ لي؟!!

تابعت الممرضة بابتسامة عريضة:

-شرطتين فعلًا واضحين زيّ الشمس أهو.

كانت “شروق” تستمع إلى حديثهما بعينين متسعتين من الذهولٍ ورأسها يتحرك يمينًا ويسارًا في إنكارٍ مخافة أن يتعلق قلبها بحبل أملٍ وتكتشف أنه ذائب!!

هبَّت في مكانها واقفةً حينما قالت الممرضة جملتها الأخيرة، فهرعت “نجلا” إليها وقالت بفرحةٍ عارمةٍ:

-إنتِ حامل يا شروق.. ألف مبارك يا بنتي!!

انهمرت دموعها بغزارة على وِجنتيها قبل أن تقول بإنكارٍ قاطعٍ:

-أكيد الاختبار بايظ زيّ اللي فاتوا.. علشان خاطري ما تدينيش أمل على الفاضي!!

أجهشت باكيةً بانهيارٍ قبل أن تضمها “نجلا” بحنوٍ بالغٍ إلى صدرها وتقول برفقٍ:

-مش قصدي أدي لك أمل على الفاضي.. آسفة والله.. عارفة الموضوع حساس بالنسبة لك.. بس الاختبار فيه شرطتين وإنتِ عندك كل أعراض الحمل!!

طبطبت “نجلا” على ظهرها وقبل أن تتكلم مرة ثانية وجدت “عِمران” يناديهما وهو يأتي مُهرولًا من بعيدٍ وعلامات القلق بادية على وجهه:

-شروق؟!!! مالها؟!

أسرع بجذبها إلى صدره قبل أن تتنحنح “نجلا” بهدوءٍ قبل أن تضع الاختبار نُصب أعينه وتقول بابتسامة ودودةٍ:

-في احتمال كبير إن شروق حامل!!

نظر “عِمران” للاختبار بذهولٍ شديدٍ قبل أن ينتفض قلبه بقوةٍ وهو يقول مرتبكًا:

-طيب خلينا نتأكد بحاجة أدق؟!!

توجها بها إلى عيادة النساء والتوليد وهناك طلب “عِمران” مُقابلة الطبيب ثم شرح له ما تتعرض له منذ فترة وجعله يطلع على الاختبار؛ فأمرهم الطبيب بإجراء تحليلٍ في الدم ولن تأخذ ظهور نتيجته أكثر من نصف ساعة؛ توجهوا إلى قسم التحليلات وهناك تم أخذ عينة منها للاطلاع عليها بينما جلسوا بأعصابٍ تالفةٍ بغرفة الانتظار وكانت هذه اللحظات أكثر من عصيبةٍ عليهم وما هي إلا لحظاتٍ حتى حارب صوت الطبيبة براثن الانتظار القاتل حينما نادت باسمها:

-شروق عثمان السروجي!!

هرول “عِمران” إليها بينما تسمرت “شروق” في مكانها لا تحملها قدماها مُطلقًا، خفق قلبها ملتاعًا ثم أغمضت عينيها بقوةٍ تستعد لاستقبال ما تتوقعه إلا أن ما قالته الطبيبة بعد ذلك قد أحيا خفقات قلبها الواهية التي تنبض بهياجٍ من بعد خفوتٍ:

-ألف مبروك يا مدام شروق.. حامل.. وحمل متقدم كمان لأن التحليل ما أخدش وقت خالص.

ارتخت أعصابها المشدودة تمامًا وانفجرت باكيةً بلا هوادة قبل أن تضمها “نجلا” إلى أحضانها وتقبل جبينها وهي تردد في سعادةٍ:

-ألف مبروك يا شروق.. ألف مليون مبروك يا حبيبتي.

ابتلع “عِمران” ريقه على مهلٍ قبل أن ينظر إلى الطبيبة ويقول بتوجسٍ وارتباكٍ:

-متأكدة إنه حمل يا دكتورة؟! دي مسألة حساسة جدًا بالنسبة لنا!!

الطبيبة وهي تبتسم له مقدرةً وقع الخبر عليه فيبدو أن هذا الخبر قد جاء بعد طول انتظار!

-دا حمل مؤكد ومتقدم يا فندم وتقدر تتابعه بالسونار من دلوقتي!

انصرفت من أمامه فأخذ “عِمران” نفسًا عميقًا قبل أن يتقدم صوب زوجته ثم يضمها إلى أحضانه ويقوم بطبع قبلات على جبينها تارة وأخرى على كفها ومن فرط سعادته أسرع إلى الممر ثم التقط ما في جيبه من مالٍ وبدأ يعطي المارين من حوله دون حذرٍ وما أن انتهت نقوده حتى استكملت “نجلا” ما بدأ فيه فأخذت تلتقط المال من حقيبتها وتوزعه على الحشد الذي تجمهر حولهم.

“على الجانب الآخر.”

فُتح باب الغرفة بعد انتظار طويلٍ ليخرج منه “نوح” وفي يده المولود، سار إليهم بملامحٍ منشرحةٍ للغاية، هرع “تليد” نحوه فتابع الأخير يقول بسعادةٍ:

-تتربى في عِزك.. بنوتة زيّ القمر.. اللهم بارك.

أسرع يلتقطها منه بلهفةٍ جعلته يرفرف كطائرٍ حُرٍ يغرد في سعادة، نظر إلى وجهها البريء بعينين براقتين تطل منهما سهام عاشقة فشعر بتميزه في هذه اللحظة وأن الثواني الأولى من الأبوة جعلته يعيش مشاعرًا لذيذةً تشبه نفحات ذكية تهل عليكَ من نافذة غرفة تطل على بيت رسول الله، رفعها إليه يُقبل أنفها بعشق خرافي دبَّ في قلبه الآن، وكان له السبق الأول في تاريخ البشرية بأكملها؛ بأنه أول رجلٍ حمل القمر بين كفيه.

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

“بعد مرور شهرين”.

دخل “تليد” إلى الشقة ثم توجه بلهفةٍ إلى غرفة طفلته الحبيبة ولكنه لم يُبصرها نائمةً في سريرها فتوجه مُسرعًا إلى غرفة النوم ينادي زوجته:

-وَميض.. فينك؟!.. فين يُسر؟!!

جاءها صوته يقول من داخل الحمام:

-موجودة على الركنة في الأوضة يا حبيبي!

تحول “تليد” بنظراته إلى الصوفة القابعة أسفل نافذة الغرفة لتتسع عيناه دهشةً ويتدلى فكه وهو يتحرك ببطء نحو ابنته التي تنام نومًا هانئًا وترتدي بُرنسًا ورديًا مرسومًا عليه أُحادي القرن ويوجد شرائح من الخيار على عينيها وقد وُضعت منشفة صغيرة أيضًا على رأسها، جز “تليد” على أسنانه وراح يضرب كفًا بالآخر وهو ينظر بغيظٍ إلى زوجته التي خرجت من الحمام للتو مرددًا بخفوتٍ حتى لا يُزعج صغيرته أو يعكر صفو نومها الآمن:

-أيه التهريج دا.. أيه اللي إنتِ عملاه في البنت دا؟!! حاطة لها خيار على عينيها ليه؟! من كُتر الهالات السودا!!

تقدم بهدوءٍ من الصغيرة ثم التقط شريحتي الخيار واندفع بسرعة نحو زوجته حتى جذبها من ذراعها بقوةٍ إليه قبل أن يردد بحنقٍ:

-كله إلا بنتي.. تحطي لي خيار على عينيكِ ولا حتى مسك القهوة في فتحات مناخيرك فإنتِ حُرة في نفسك مش في بنتي.

كشر عن أنيابه بطريقة تتأرجح بين الجديةٍ والهزلٍ وهو يُلقي الشرائح إلى فمه ثم يمضغهم وهو يقول بتلذذٍ واستمتاعٍ:

-شرايح خيار بالعسل.

حدقت فيه “وَميض” بدهشةٍ قبل أن تتسع ضحكته وهو يميل عليها مُقبلًا وِجنتها بحُبٍ ثم يقول:

-فين لبس يُسر.. أنا هلبسها عقبال إنتِ ما تلبسي.. الكل متجمع وأبويا مستنينا ننزل علشان يبدأ العَقد.. خلي اليوم النهاردة يكون بداية جديدة بينك وبين نجلا!!

تنهدت “وَميض” تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تشير إلى المشجب وتقول بهدوءٍ وهي تتجه إلى الحمام مرة أخرى:

-لبس يُسر أهو.. هنشف شعري بالسيشوار في الحمام علشان مزعجهاش.

أومأ متفهمًا، دخلت الحمام وأغلقت الباب من خلفها لتخفيف حدة الصوت المنبعث من المجفف، أسرع يلتقط ملابس الصغيرة التي تجهم وجهه ما أن أبصرها، كوَّر قبضة يده في غيظٍ مكتومٍ من زوجته التي حذرها آلاف المرات أن تكف عن تلبيس الصغيرة ملابس كاشفة بهذا الشكل حيث اختارت لها جيبة قصيرة لا تغطي سوى القليل من فخذيها وسُترة تصل إلى ما قبل السُرة وتبدأ من أسفل الإبط، حاول التحكم في انفعالاته مقررًا أن ينتقم منها أشد انتقامًا فراودته فكرة جهنمية ليخرج لوهلةٍ من الغرفة ثم يعود إليها مرة أخرى يحمل بين يديه دُمية قد جلبها لزوجته في إحدى ليالي رمضان حيث ترتدي الدمية جلبابًا وتضع طويلًا، افتر ثغره عن ابتسامة ماكرة وقام بنزع الجلباب عن الدمية ثم ألبسها لابنته الصغيرة وبعد ذلك قام بإحضار حِجابًا صغيرًا ولفه حول رأسها بينما لا تزال الصغيرة تنعم بنومٍ سعيدٍ وما أن رأى “تليد” هيئتها النهائية حتى خرجت ضحكة مكتومة من فمه ثم أسرع بحملها بين ذراعيه لتستيقظ في هذه اللحظة وتبدأ نهنهة الصغيرة فالارتفاع ليتحرك حثيث الخطى خارج الشقة على الفور وهو يدرك أنه بهذه الحركة سيُثير جنونها تمامًا.

خرجت من الغرفة تنظر باستغرابٍ من غيابه والصغيرة، تنهدت بهدوءٍ ثم ارتدت ملابسها واستعدت للنزول إلى ساحة الحفل؛ فاليوم سيُقام عقد القران الخاص بوالدتها بواسطة الشيخ “سليمان” كما أن الشباب سيحتفلون أيضًا بتوديع العزوبية فلم يتبقى سوى أسبوع على حفل زفاف الشباب الثلاثة مقررين أن يكون حفلًا كبيرًا يجمع الثلاث زيجات في يوم واحدٍ.

نزلت مُسرعةً إلى المجلس وبدأت تبحث بعينيها عن زوجها وابنتها لتبصره يقف مع الشباب داخل المجلس، سارت إليهم حينما سمعت صوت ضحكات مُجلجلة تعلو، زوت ما بين عينيها قبل أن تبصر ابنتها تجلس على حِجر جدها ترتدي جلبابًا وحِجابًا وتمسك بين أناملها الرقيقة مسبحة جدها وأمامها مُصحفًا مفتوحًا وكاميرات الهواتف تصور في انبهارٍ وإعجابٍ قبل أن يصيح “نوح” مازحًا:

-حاجة يا حاجة يا أم شال قطيفة.. رايحة فين يا حاجة؟!!

تدلى فكها قبل أن تصيح مزمجرةً في استنكارٍ:

-حاجة؟!! بنتي حاجة؟؟؟

ضغطت على أسنانها في غيظٍ واندفعت تقترب منهم في انزعاجٍ قائلةً:

-تليد.. أيه اللي إنتَ عامله في بنتي دا؟!! حاجة مين؟؟

تليد وهو يلتقطها قبل أن تقترب من الصغيرة ثم يردد بابتسامة ماكرة:

-مش أحسن من الخليع اللي كُنتِ عايزة تلبسيهولها!!

دبدبت بغيظٍ على الأرض قبل أن يشبك أصابعه بأصابعها ثم يهمس بالقرب من أذنها:

-عيب.. كلمة كمان وأحلف ما هي قالعة الحجاب.. إنتِ حُرة!!

مطت شفتيها بامتعاضٍ وقررت أن تكتم ضيقها منه وتصمت في سكونٍ، قبل أن يبدأ الشيخ “سليمان” مراسم عقد القرآن فيقول صيغته بهدوءٍ ويكرر “يحيى” من بعده والذي يمثل الولي لأمه وما أن انتهى “يحيى” حتى بدأ “ماكسيم” يكرر وراء الشيخ بسعادةٍ كبيرةٍ وبعد الانتهاء ارتفعت الزغاريد والتصفيقات الحارة مُباركةً لهما، صافح “يحيى” ماكسيم بحرارة بينما هرعت “سكون” إلى حضن أمها تضمها بقوةٍ وتقول بفرحةٍ:

-ألف مبروك يا أمي.. بتمنى لك الحياة الزوجية السعيدة والاستقرار.

توجهت إليها “رابعة” تبارك لها في ودٍ وتدعو لها أن تعيش وتشيخ معه في سعادة وطمأنينة وراحة بال كذلك فعلت “مُهرة” التي هنأتها، كانت “وَميض” تنظر إليهم من بعيدٍ وهي تبتلع ريقها على مهلٍ ومشاعر مختلطة تضرب قلبها الذي حَن دون سابق إنذار لمعانقتها، بدأ تتقدم بخطوات مترددة وهي تفرك كفيها معًا قبل أن تقول بنبرة عاليةً صمت على إثرها كل الأصوات الأخرى:

-مــــامـــا!!

حدقت “نجلا” أمامها في دهشةٍ تشعر بأنها تتوهم فقط سماع هذه الكلمة لتستدير بارتباكٍ شديدٍ فتجد “وَميض” تقف خلفها مُباشرة وتبتسم في حنوٍ وعينين تلمعان بالدموعٍ، اتسعت ضحكة “نجلا” بشدةٍ حينما أعادت الأخيرة قول هذه الكلمة التي تحمل وقعًا خاصًا على أوتار قلبها:

-ألف مبروك يا أمي.. بتمنى لك السعادة وراحة البال.

لم تستطع “نجلا” تمالك نفسها أكثر من ذلك ورغمًا عنها انسكبت دموعها فورًا فأسرعت “وَميض” بالارتماء بين ذراعيها تعانقها عناقًا شديدًا فتتشبث “نجلا” بقوةٍ بها وبكيتا بعُمقٍ ومن صميم قلبيهما قبل أن تقول “نجلا” بسعادةٍ كبيرةٍ:

-زعلك كان كاسر فرحتي بيكم يا بنتي.

ابتسم الشيخ “سليمان” فرحًا لالتقاء فتاة بأمها ووصل الود المنقطع من جديدٍ ثم قال بودٍ وهو يُقبل وِجنة حفيدته:

-استشعار النِعم من حولك.. نعمة جديدة لو دريت نفسك عليها.. قلبك هيلين وأيام هتسعد.

فيقول الله عز وجل “ورحمتي وسعت كُل شيءٍ”؛ فلماذا تتشبث يا مخلوق بالجفاء؟! انزع عن قلبك قناع القسوة وكونوا فيما بينكم رُحماء!!

تمت

في ذهني مخطط لجزء ثاني ونسأل الله التساهيل

في انتظار أرائكم ومناقشاتكم وأتمنى إن الرواية تكون نالت استحسانكم

يتبع الفصل كاملا اضغط هنا ملحوظه اكتب في جوجل “رواية رحماء بينهم كوكب الروايات” لكي تظهر لك كاملة 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *