رواية بين الرذاذ للكاتبة أنستازيا الفصل السابع عشر
كتاليا:
نزلت الدرج بخطى حذرة حريصة على ألا أصدر صوتاً، لا يبدو أنه يوجد من استيقظ بعد. جيد! لن يغضب السيد هاريسون لرؤيتي أستعد للخروج في وقت مبكر من الصباح. كما أن دانيال لن يتوقف عن الجدال معي إن علم بالأمر.
أشعر أنني أفضل حالاً ما المانع من خروجي لمزاولة عملي؟ لا بأس أنا بحال أفضل بكثير من الأمس. خرجت بالفعل من دون علم منهم ولكنني وما ان خرجت لأعبر الشارع حتى كتبت لدانيال رسالة موجزة وأرسلتها إلى رقمه أمضيت يومين في الراحة، لذا أحتاج إلى استئناف العمل. أعلِم السيد هاريسون ألا يقلق بشأني.
وبما أنني خرجت في وقت مبكر دون تناول فطوري اتجهت إلى مقهى صغير وخرجت منه ممسكة بكوب قهوة ساخن وقطعة كرواسون بِحشوة الجُبن.
انتظرت في محطة الحافلات على المقعد أتناول فطوري حتى وصلت الحافلة.
لقد بدأ الطقس يتحسن قليلاً، انخفضت الرطوبة عن الأيام الماضية، من الجيد أننا مقبلين على فترة الخريف.
شربت قهوتي أحدق إلى الشارع عبر النافذة أتذكر اتصالات أبي في الأمس ورسائله التي يؤكد فيها على ضرورة عدم تخلفي عن الموعد المحدد، لم أجب على اتصالاته أو رسائله وقد تهربت تماماً! تصرفت بجبن ولم أتفوه بكلمة واحدة!، اشعر بالاستياء والضيق من نفسي لافتقاري للجرأة الكافية.
أعلم جيداً أن ما أقوم به أمر خاطئ. أعلم.
ولكنني أخشى أيضاً أن يحاول أبي فتح المواضيع القديمة من جديد دون أن يأبه بمحاولاتي للوقوف على كلتا قدماي!
نظرت إلى كوب القهوة بشرود ثم أعدت ناظري إلى النافذة وقد لمحت الدعاية التروجية للعبة رهينة القراصنة.
ابتسمت بهدوء وقد تعلقت عيناي على اللوحة الاعلانية، عمل رائع وملفت دانيال. هذا الرجل لا يستوعب موهبته وقدرته على خطف الأنظار حقاً! لا زال على بذل المزيد من الجهد معه.
اهتز هاتفي إثر وصول إشعار ما، القيت نظرة لتتسع ابتسامتي بتلقائية لرؤية تحديث المدونة وقد فتحت الصفحة المُحدثة فوراً.
متى يكون من السَهل أن يُفرق المرء بين الوَهم والحقيقة؟
تلك اللحظة التي ينجح فيها بالتفريق بينهما. ماذا لو كانت الأخيرة؟
حينها.
اللحظة الأخيرة الزائلة التي قضاها في إدراك الحقيقة. هل ستتحول إلى وهم أيضاً!
عقدت حاجباي بعدم فهم أردد كلماته مرارا وتكرارا.
لم أفهم المراد هذه المرة بكتابته لذا قضيت وقتي أحاول تحليل الأمر وأترقب التعليقات أسفل التحديث لأرى ما يظنه الآخرين لعلي من تعجز عن تفسير كلاته.
لفت انتباهي تعليق أحد الأشخاص على التحديث الجديد وقد كتب أحيانا أشعر أن كل اللحظات مجرد وهم. لا تبدو الحياة التي نعيشها واقع ملموس. شيء غريب ينتابني كلما فكرت في حقيقة العالم.
بدأ باقي المتابعين يخوضون معه حواراً فلسفياً عميقاً في حين وجدت نفسي أعلق بإختصار لعل اجابتي ترضي فضول الكاتب
لماذا قد تكون اللحظة الأخيرة؟ قد تكون لحظة مفصلية لبداية جديدة
نشرت تعليقي أسفل تحديثه و تنهدت بعمق لأضع هاتفي في حقيبتي أنهي قهوتي.
الوهم. والحقيقة إذاً.
نزلت من الحافلة في المحطة المحددة القريبة من المجلة واكملت طريقي سيراً، وصلتُ حيث المقر وقد صعدت الدرجات الطويلة حتى وصلت إلى المدخل، ولكنني سرعان ما توقفتُ بإستنكار أحدق إلى ثلاثة رجال يرتدون بدلة سوداء يقفون على جانب المدخل، مررت بجانبهم بهدوء وما ان فعلت حتى تقدموا نحوي.
رفعت رأسي إليهم بجمود أخفي ارتيابي في حين دخل باقي الموظفين والعاملين يلقون النظرات المحتارة.
كلُ منهم يفوق الآخر ضخامة وقامة! تقدم أحدهم وقال يحدثني بهدوء: آنسة كتاليا، أنتِ ممنوعة من دخول مقر العمل.
عقدت حاجباي بعدم استيعاب وطرفت بتفاجؤ: عفواً؟ ومن تكون أنت لتمنعني!
أتى صوت من خلفي بنبرة واثقة: إنها أوامر السيد آرثر، أمر بإصطحابكِ للقاءه حالاً.
أوامر. أبي!
التفت للوراء فوراً أنظر إلى شاب يرتدي بدلة سوداء يرفع شعره البني للخلف ويحدق إلى بعينيه البنية الداكنة، عقدت حاجباي بإستنكار فلقد بدى بطريقة ما أقل رسمية ونظراته أكثر تمرداً منهم!
تمسكتُ بِحبل حقيبتي التي تتدلى من كتفي الأيمن وقد زميت شفتي بقوة قبل أن أعترض بحدة أنظر إليه بحزم: وها قد اكتمل العدد! لم يكن عليكم الوقوف هنا أمام المدخل ولفت الإنتباه!، كما أنني لا أنوي التحرك معكم لذا غادر أنتَ ورفاقك.
آسف ولكنني لا أنوي العودة إلى السيد بدونك أيضاً، نوه على ضرورة ان تكوني متواجدة، هو في انتظاركِ بالفعل.
تجاوزت نظراتُ الموظفين الذي يدخلون إلى المقر ويتهامسون فأسرعت أشيح بوجهي وقلتُ بجفاء: وماذا لو رفضت؟
سنأخذكِ بالقوة.
تفاجأت به يقولها بينما يغمز لي وعلى ثغره ابتسامة متهكمة، تراجعت خطوة للوراء بتلقائية وأحكمت قبضة يدي بقوة وعضضت على طرف شفتي بقهر.
لا فائدة مهما قاومتهم! الفرق بيني وبينهم ك. فرق؟ لا يوجد مجال للمقارنة حتى! وصحيح أن هذا الشاب ليس مفتول العضلات مثل الثلاثة الآخرين ولكنه يبدو قوي البنية كذلك!
لا أريد أن الفت الانظار أكثر فالجميع يتهامس من حولي لا يَجب أن أهول الموضوع.! يكفي ما حدث لي بسبب باتريك في العمل فلقد كنتُ محور حديثهم طوال تلك الفترة الماضية.
ومع ذلك وجدت نفسي أحاول مجدداً وأنا أقول بجفاء: لن يسمح لك أبي بوضع اصبع واحد علي، أنصحك بالاستدارة لتعود ادراجك. سأكون في انتظار مكالمة أبي.
نظر إلى رفاقه للحظة بسخرية قبل أن يتقدم نحوي ببضع خطوات وقال ممازحاً يُحدق إلى بتركيز: نوه على ألا يؤذيكِ أحدنا، ولكنه لم يخبرنا بآلية محددة نأخذكِ فيها إليه، هل أُجرب يا آنسة؟
انتابني الإنزعاج من أسلوبه بينما تحدث أحد الرجال خلفي بصوته المبحوح الخشن: لا يجب أن نتجاوز حدودنا، كن رسمياً وعملياً حذرناك مئة مرة بهذا الشأن!
لويت شفتي بإزدراء وأشرت إليه: لا يسمح أبي لتابعيه بالتطاول على أفراد اسرته مهما حدث فمن أين خرج هذا الشيء ومن قام بتوظيفه!
رفع كتفيه واحنى جذعه قليلاً ليقول لي بجدية: النظرة الدونية التي سمعت بشأنها من العاملين في المنزل بالفعل! لقد سمعتُ أنكِ ابنته المدللة ولكن لا أحد صرّح بأنكِ ابنته الفاتنة أيضاً.!
احتدت عيناي ونظرت إلى الرجال الثلاثة خلفي لأقول بجفاء: لا يعقل أن أبي يوظف رجال بلا أخلاق!
عقد الرجل خلفي حاجبيه وتدخل بهدوء: أعتذر نيابة عنه آنسة كتاليا، من فضلك لنسرع إلى السيد آرثر هو في انتظارك وحريص على ان نصل في الوقت المحدد لئلا يتأخر عن جدول أعماله.
أخذت نفساً عميقاً وسألته بجدية: أين ينتظرني؟ في المنزل؟
نفي برأسه بهدوء: ليس في المنزل. ستعلمين حين تصلين.
امتعضت بشدة ولكن شيء من الراحة قد انتابني! لست مضطرة للعودة إلى المنزل إذاً.
هذا. يهون الأمر قليلاً! لا زلت غير مستعدة لرؤية هانا أو أحد أفراد العائلة، ليس بعد.
أنا واثقة أنه لا فائدة من مقاومتهم أو التحايل عليهم. على الخضوع للأمر!
نزلتُ الدرج أسبقهم بخطى منزعجة فلحقواً بي فوراً، تمتمتُ على مضض: لا تقتربوا مني كثيراً! لا داعي للقلق لن أهرب، ولكن الكثير من الناس يحدقون إلى لذا ابقوا بعيداً!
تركوا مسافة بالفعل فتأففت بنفاذ صبر أسرع في خطواتي، حين نزلنا الدرج أشار إلى السيارة السوداء فدخلت لأجلس على المقعد الخلفي. استقر ذلك الفظ بجانبي والاثنان في الأمام بينما غادر الرابع وقد لمحته يركب سيارة أخرى، نظرت عبر النافذة ووضعت حقيبتي على حجري بلا حيلة.
تجاهلت اتصالات ورسائل أبي وها هو الآن يتخذ خطوة تأديبية في حقي!، بل وأنه قام بتقديم موعد اللقاء إلى وقت مبكر جداً.!
يا لي من حمقاء.!
استغرق الأمر أكثر من نصف ساعة حتى أبطأ السائق من سرعته ليسلك طريقاً يؤدي إلى مقهى ذو مساحة كبيرة مجاور لشقق فندقية وعمارات مختصة بالأعمال والشركات التجارية والعقارية.
أوقف السيارة أمام المقهى فتسارعت خفقات قلبي رغماً عني بعنف وقلق.
نزل الرجل المجاور للسائق والتف نحو الباب الذي أجلس بجانبه ليفتحه: تفضلي بالنزول.
نظرت إلى المكان بجمود وبقيت في مكاني ساكنة دون حركة.
أشعر بالإضطراب والتوتر الشديد!
اختفى التعبير المتسلط وحلّ مكانه القلق والخوف!
قيلت بصوت محتار فنظرت إلى من يجلس بجانبي وقد كان يسند مرفقه على الباب بجانبه ويضع قدماً على الأخرى ينظر إلى بترقب وعلى ثغره ابتسامة عابثة! رمقته بإشمئزاز وقلت بحدة: الزم حدودك يا هذا!
حذره الرجل الواقف بجانب الباب الخاص بي ينتظر نزولي: أنا مضطر لإبلاغ السيد آرثر حول تصرفاتكَ الغير عملية، من فضلك آنسة كتاليا رافقيني.
زميت شفتي بغيظ ونظرت إلى كوب القهوة الفارغ بين يدي بينما أترجل من السيارة وقد القيتهُ على حجره بقوة: تحتاج إلى دروساً مكثفة في الأخلاق العامة!
أمسك بالكوب يتأكد من خلو بدلته من أي بقعة قبل أن يبتسم بهدوء: أجيد مسامحة النساء الفاتنات بسرعة.
سيبصقن جميعهن على وجهك بإشمئزاز بلا شك!
التفتُ بإنزعاج شديد امرر يدي في شعري بعصبية، وقفت أخذ نفساً عميقاً قبل أن أنظر إلى المكان المنشود أمامي.
لم يسبق لي وان تناولت طعامي في هذا المقهى ولكنه يبدو مكاناً يرتاده كبار الشخصيات تحديداً.
تحركت خلف الرجل الذي وجهني بصمت، لم تكن الطاولات المقابلة للمقهى يجلس عليها سوى زبونة واحدة فقط تكتب على لوحة مفاتيح حاسوبها الشخصي وترتدي السماعات في أذنها بينما تحتسي قهوتها الداكنة.
عندما دخلت المقهى لم أكن مضطرة للبحث بعيناي عنه فلقد لمحته يجلس على الطاولة التي تنتصف المكان بينما يتحدث على الهاتف. وهناك زبون آخر يجلس على الطاولة المجاورة للنافذة وتجلس مقابله صديقته أو زميلته على ما يبدو.
ابتلعت ريقي رغم ان حلقي قد جف تماماً، كل خطوة أخطوها نحوه كانت تملأني بالتوتر والخوف من غضبه وتأنيبه الصارم.
اجفلت رغماً عني حين نظر إلى وهو يتحدث على الهاتف، وجدت نفسي أسير خلف الرجل أخبئ نفسي وراء ظهره بسرعة لأقطع التواصل البصري فوراً.
لم يبدو على وجهه أياً من أمارات الغضب، بدى لي جامداً هادئاً كعادته. أرجو أن يدوم هذا الهدوء طويلاً.!
وصلنا حيث الطاولة لأسمع الرجل التابع له يقول برسمية: لقد وصلت الآنسة كتاليا سيدي. أرجو المعذرة.
قال كلماته التي اعقبها باستدارته ليسير مغادراً فبقيت في مكاني جامدة أحدق إلى العيون الزرقاء التي التقت بخاصتي، ارتفعت يدي بتلقائية أمسك بحبل حقيبتي لألفه حول كف يدي دون سبب محدد.
حسناً لا بأس، احرص على تحديد موعد مناسب لنلتقي بهم خلال هذا الأسبوع، ولا تنسى ان ترسل لي مستجدات المحطة الجديدة، سأتحدث إليك لاحقاً عندما أصل إلى المقر، سأتأخر قليلاً كُن أنتَ وباقي الفريق بانتظاري.
استوعبت أمر انهاءه للمحادثة الهاتفية عندما وضع هاتفه على الطاولة وضاقت عينيه بينما يتمعن النظر إلي: اجلسي.
امتثلت لقوله فوراً وقد سحبت الكرسي المقابل له لأجلس عليه بصمت.
تهربت من نظراته أتظاهر بالعبث بحقيبتي قبل أن أضعها على الكرسي المجاور لي، القيت نظرة خاطفة عليه فوجدته يحدق إلى بترقب.
لا يوجد ما تقولينه؟
تساءل بجمود فقلت على مضض: ص. صباح الخير.
لمعت عينيه بتهكم شديد فأخفضت عيناي ولم أجرؤ على النظر إليه.
أعلم جيداً أنني مخطئة في حقه فما عساي أفعل أو اقول!
نظرت إلى النادل الذي اقترب ليضع كوب القهوة وهو يقول برسمية ولطف: القهوة بنكهة الفانيلا التي طلبتها سيدي.
رحل النادل في حين استوعبت أمر الكوب الذي وُضع أمامي مباشرة.
نكهة الفانيلا.
انتابتني غصة شديدة ونظرت إلى أبي بتردد وضيق أرغمني على الجز على أسناني. قام بطلب النكهة المفضلة لي مسبقاً!
لن ينسى التفاصيل الصغيرة في حين كل ما أفعله هو اثارة المتاعب له والهرب فقط.
ارتجف صوتي وقد خرج من حنجرتي متهدجاً: آسفة. على عدم الرد على اتصالاتك.
قلت ذلك بينما أحتضن الكوب بين يداي فوراً، ورغم أنني شربت بالفعل قهوتي ولكنني لم أستطع مقاومة ألا أكتنزه بين يداي أتأمله بصمت!
لا أنوي تأخير عملي لسماع اعتذاراتك في المقابل. أنتِ الأمهر في تقديم الأعذار كما تعلمين.
رمقته بإستياء استمر في التزام الصمت، رفع كوب قهوته ليحتسي منه ثم وضعه على الطبق الصغير المخصص له وقال بجمود: سعيدة بما تقومين به؟
سألني مترقباً لجوابي فنفيت برأسي: ليس بعد.
وكم من الوقت تحتاجين إليه يا ترى حتى تشعري بالرضا والسعادة؟
طرفت بتشتت ونظرت من حولي قبل أن أجيبه: لا أدري. ولكنني لا أنوي العودة إلى المنزل قريباً، أحتاج إلى المزيد من الوقت.
زفر بسخرية ليتفوه بما ألجمني بإزدراء: المزيد من الوقت. حتى يتم ابلاغي ان ابنتي أصبحت مجرد جثة بالية؟
عقدت حاجباي بإستنكار أحدق إليه بشك! جثة بالية؟ ما الذي يلمح إليه! هل يعقل أنه.
تعتقدين أنني مجرد جاهل لا يعي حقيقة ما تحاولين اخفاؤه؟ هل خروج ذلك النكرة من السجن قبل انتهاء فترته يعد شأناً خاصاً بكِ وحدك؟
اشتدت قبضتي على الكوب حتى ارتجف وانسكب القليل على أنامي، انتابني الألم جراء اللسعة الحارة وقد أسرعت أضعه على الطاولة لأتلعثم رغماً عني: م. منذ متى تعلم؟
منذ البداية.
أبي. باتريك ي.
من الأفضل أن تطبقي فمكِ تماماً كتاليا، لا أريد سماع أي تسويغات أو أعذار فارغة! لا يمكنكِ تخيل كم خاب أملي بكِ وقد ظننت ولو قليلاً أنه من الممكن أن تعقلي وتنضجي! ما هو الكم الهائل من الكوارث التي عليكِ خوضها حتى تستوعبي أفعالكِ وخطورة قراراتكِ!
أجفلت لنبرته الحازمة الغاضبة ومع ذلك سألته بإنزعاج: متى ستعي أهمية الوقت الذي أحتاجه بمفردي! أنا أحاول جاهدة ألا أورط أي أحد منكم في شؤوني الخاصة!
شهقت برعب ليده التي ضربت على الطاولة بقوة وهو ينهرني بحنق: شؤونك الخاصة مجدداً! أرأيتِ؟ هذا ما أعنيه تحديداً! سيبقى عقلك يفكر بهذه الطريقة التي لا فائدة ترجى منها، أنتِ لم تخرجي للعدم وحدك ولم تعيشي طوال هذه السنوات في دائرة مغلقة، أعلم أنه لا فائدة من الحديث معكِ الآن ولا أنوي خوض جدالاً فاشلاً.
نظرت إليه بقلق وارتياب في حين بقي يعقد حاجبيه بغضب حتى انتبه لعلو صوته ورفع يده يمررها بعصبية في شعره البني ذو الدرجة الفاتحة المليء بالشيب، أخفضت ناظري بتوتر قبل أن أقول بإستياء: أشعر بالخجل منكم. أريد فرصة لأصحح مساري! لا حق لي في اتخاذ فرصتي؟ هل تعلم كم شعرت بالحرج عندما طلبت مني لقاءك؟ أنا لم أتوقف عن التفكير بأفراد العائلة الذين سأكون مضطرة للقائهم في المنزل! لم أتخطى الأمر بعد. أرجوك أبي لا تحاول اقناعي بالعودة. على الأقل ليس الآن!
تجاوز كلماتي تماماً وسألني بحدة: لماذا تتسترين على خروج باتريك من السجن!
قلت للتو بأنك تعلم بالأمر منذ البداية فما الفرق إذاً إن أخبرتك أو التزمت الصمت!
الفرق أنكِ قدمت نفسك على طبق من ذهب لذلك السافل! بُعدك عني جعل منكِ وجبة دسمة بالنسبة له! أعلم منذ البداية أنكِ فقدت عقلك وقررت اخفاء الأمر ولكن ما النتيجة الآن؟
أضاف بسخط أفزعني وأرغم النادل على التوقف لينظر إلينا بارتياب: أنظري إليك تورطين الآخرين مجدداً! لو لم أتدخل وأطلب من السلطات ان تعفو عن ذلك الشاب لكان الآن في الحبس بسببكِ أنتِ!
ه. هاه!
فغرت فمي فقال بغيظ: تعتقدين أنني لا أعلم بقرارك حول العيش في منزل يعج بالرجال؟ بأن أحدهم تورط معكِ أثناء نقلك إلى المشفى؟ كتاليا واللعنة توقفي عن استخدام عقلك في التفكير بطريقة تنهك الناس من حولك!
عقدت حاجباي بتشتت وضياع مرددة: أبي. لا يجب أن تسيء الفهم أنا فقط أ.
اخترتِ العيش في منزل رجل أردته أن يعمل معكِ بدلاً من العارض الذي تضرر بسبب الوغد باتريك، ثم ماذا؟
يعلم بكل شيء.
لا فائدة من مراوغته.!
لا يبدو لي ان ريتشارد قد أخبره بأي شيء حول خروج باتريك من السجن، كما انني اعتقدت ان لا أحد من عائلتي سيعلم حول تَركي لشقتي تماماً. يبدو أنه ملم بكل شيء وقد نفذ صبره!
تحدثي، أخبريني حالاً ما الذي يجول في ذهنكِ! لماذا ابنتي تستمر في السير إلى طريق خطرة منحدرة رغم علمها المسبق أنني لن أتردد في تقديم العون لها! ما الذي قصرت فيه تحديداً لتبتعدي عني إلى هذا الحد! منحتكِ كل ما ترغبين فيه منذ طفولتك! دللتك وحققت كل أمانيكِ فلماذا لا يزال بيننا كل هذه المسافات؟ ماذا أقدم لكِ أكثر لقد فضلتكِ على الجميع منذ صغرك! تحدثي وأخبريني حالاً ما الذي يعنيه عيشكِ في منزل أؤلئك الرجال!
لم أجرؤ على النظر إلى كلتا عينيه وقد حدقت إلى حجري والغصة تخنقني.
الجواب ليس بحوزتي.
فأنا على علمٍ بخطواتي المتهورة.
ومع ذلك لا يستحق أن أبقى صامتة أمامه وأحرق أعصابه أكثر! اتضح انه يعلم بكل شيء منذ البداية.
لم يعد الهرب خياراً أمامي.
اعتقدت أنني. سأتخلص من باتريك أو على الأقل لن يجرؤ على الاقتراب مني، قابلت رجل يدعى هاريسون يقطن في ذلك المنزل، هو والد لأربعة ورأيت أنه رجل حازم يجيد الوفاء بعهوده، شعرت نحوه بالطمأنينة لذا اخترت العيش في منزله، كما أن. أبناءه لا يجرؤ أحد منهم على الاقتراب مني، أنا جادة أبي. أبناءه لم يختلطوا بالنساء منذ صغرهم لذا يحرصون على أن يتركوا بيني وبينهم مسافة هائلة، كنت مطمأنة بهذا الشأن أيضاً. أما عن شقتي فلقد تردد باتريك عليها لذا قررت الخروج منها.
رفعت عيناي بتردد أنظر إليه، لا تزال تعابير الغضب تسيطر على ملامحه، وجدت نفسي أكمل بتلقائية: لأن باتريك عاد مجدداً، لم أجرؤ على توريطك في الأمر بعد كل ما فعلته، خشيت أن يتم ايذاء أحدكم مرة أخرى فقررت مواجهته بنفسي. أعلم أنني مخطئة، أنا أسفة.
أردفت موضحة بخضوع: كما لم أقصد توريط ابن السيد هاريسون وسأحرص على ألا يحدث هذا مُجدداً.
لن تقومي بإيذاء أحدنا؟ وستحصرين على عدم توريط ذلك الرجل مجدداً؟ ماذا عنكِ أنتِ!
ضرب بخفة على الطاولة ينبهني بعصبية وهو يحاول ان يخفض نبرته: ضعي نفسكِ مكاني! من سيترك ابنته تواجه كل هذا وحدها؟ من سيكون سعيداً برؤية ابنته تتعرض للخطر مراراً وتكراراً؟
ولكنني لا أريد العودة إلى المنزل.
همست بها بيأس فأخذ نفساً قبل ان يزفره ويسألني: وهل قلتُ لكِ عودي إلى المنزل؟ مضت فترة طويلة جداً منذ أن قلتُ هذا! لم أكن أحاول اللقاء بكِ لأرغمكِ على العودة وإنما لنتحدث ونتحاور بهذا الشأن وتتعقلي ولو لمرة!
عقدت حاجباي بتردد شديد قبل أن أن أتساءل: لن. ترغمني على العودة؟
أشار للمكان من حوله بنفاذ صبر: أنظري من حولك! لماذا لم أحضرك إلى المنزل بحق الإله؟ لماذا اخترت هذا المكان عوضاً عن المنزل؟
أثلجت كلماته صدري بشدة وقد لانت ملامحي لأتنفس الصعداء قبل أن تشق ابتسامة راحة طريقها نحو ثغري وأومأت له بفهم.
حدق إلى ابتسامتي قليلاً قبل ان يرتخي كتفيه ووجهه وتنهد بعمق، أعاد ظهره للوراء يسنده على الكرسي وقد هدأت نبرته وهو يسألني: أراقب الوضع منذ فترة، هناك أمور مهمة على البحث حولها. لسبب ما قررت ترككِ مؤقتاً في منزل المدعو هاريسون ولكن هذا لن يطول. هناك أمر. لازال على التأكد منه.
أمور مهمة؟
لازلت أحقق في خروج باتريك من السجن بعد انقضاء ثلاثة أعوام فقط، كما يوجد نقاط مهمة على أن أتحقق بشأنها ولكن. لا دليل بحوزتي حتى الوقت الحالي، ومع ذلك أريد منكِ أن تقومي بشيئين حتى أعلمكِ بالخطوة التالية.
أومأت فوراً دون تردد ليكمل: سيكون بعض رجالي حولكِ في الأرجاء بدءاً من اليوم، أنتِ مراقبة كتاليا لذا حذري عقلك الصغير من التهور لأنني أمرتهم بإعلامي بكل خطوة غبية تقومين بها، كما أنهم سيكونون حولكِ ليضمنوا عدم تواجد باتريك في الأرجاء. كوني حذرة ولا ترغميني على تكرار كلماتي!
هذا.
غير متوقع!
كان سيخبرني ببساطة أن أعود إلى منزل العائلة بل وسيخبر السيد كوفمان أن يوقفني عن العمل دون تردد! هو صديقه في النهاية ويمكنه تدبر أمري دون أن يتعب نفسه!
فلماذا لم يتخذ هذه الخطوة؟
يفترض أن عودتي إلى المنزل لأكون تحت عينيه هي الخطوة السليمة الصحيحة اليس كذلك؟
ما الذي. يفكر فيه تحديداً!
ترددت ولكنني عزمت أمري لأسأله بعدم فهم: هذا غريب. أنت بالفعل لا ترغمني على العودة إلى المنزل!
أومأ بجمود: ليس الآن. يوجد بعض الأشياء على الاهتمام بها قبل عودتك.
مثل ماذا؟ ما الذي يريد الاهتمام به! مهلاً.
هذا يذكرني بأمر يناقض كلماته تماماً.
ربما أفكر أكثر من اللازم ولكن.
طرفت بعيني بتشتت قبل أن أتمتم بتفكير أحاوره: باتريك يحاول اقناعي بالعودة الى المنزل، في حين لا تصر أنت على عودتي وهذا ليس من عادتك.
أشاح بنظره بعيداً قليلاً قبل أن يتجاوز كلماتي ويقول: النقطة الثانية، أريد منكِ التفكير بلارز مجدداً.
جف حلقي أحدق إليه بذهول: هذا الموضوع مجدداً! أبي أنت تعلم رأيي مسبقاً! لا أنا أو لارز نتقبل بعضنا كما أنه ابن عمي هو ليس.
لا تربطكما ولو نقطة دم واحدة، هو الأنسب.
لماذا بحق الإله على الارتباط به! أنا. أرفض!
هذه المرة لا أقصد أن ترتبطا لتتخذا قرار الزواج فعلياً، أقصد أن تتواعدا وحسب، أن تبقي إلى جانبه رسمياً.
ما هذا! نتواعد فقط؟ ولماذا على البقاء معه رسمياً! ما كل هذه الأوامر الغريبة تحديداً؟
ولماذا! رغم علمه المسبق أن لارز لا يطيقني؟ رغم علمه أن لا أنا او هو نتوافق أو نتفاهم؟
لويت شفتي بغيظ شديد واعترضت بحدة: أبي أنا لن أوافق على هذا، كما أعلم جيداً أن لارز مقرب منك فلماذا قد ترغمه هو أيضاً على أمر يرفضه بشدة؟
يمكنني تدبر أمر لارز وأعلم جيداً كيف سأقنعه.
هذا يعني. أنكَ لم تقنعه بعد!
جمدت ملامحه وقد أومأ بثقة: سيوافق في النهاية. الوقت هو العامل الوحيد الذي يمكنني استغلاله، ولكنني لا اريد اهداره في المقابل.
لازلتُ عند موقفي، كما أنه يرفض الفكرة بالفعل فلماذا لا تستمع إليه؟ لطالما كان لارز هو المفضل والمقرب إليك، هو أكثر من تثق به فلماذا ستتخذ قرار من شأنه ان يضايقه!
قلت كلماتي الأخيرة بإمتعاض فتجاوز كلماتي وقال بجدية: سأترككِ لفترة محدودة فقط لتفكري بالأمر، أما عن الأسباب فلا تسألي الآن عن أي شيء، سيتضح الأمر لكِ لاحقاً.
وستتركني لأعود إلى منزل السيد هاريسون؟ أبي أعلم أن هذه رغبتي بالفعل ولكنك تتصرف بغرابة! هل هناك ما تخفيه؟
ضرب بسبابته بخفة على طرف كوب القهوة وتمتم: قلت للتو بأنني سأتركك مؤقتاً، فهناك شيء لا زال يقلقني بشأن هذه العائلة وعلى أن أتأكد بنفسي.
شيء يقلقه بشأن عائلة السيد هاريسون! وما هذا الآن؟
نفيت برأسي بعدم اقتناع: ولماذا لم تقترح على العيش في إحدى شققنا الأخرى إذاً؟ صارحني من فضلك!
توقفي عن طرح الأسئلة، إن كانت كلماتي واضحة فلقد ت.
لنفرض أنني قررت العودة إلى المنزل مثلاً، هل ستمنعني؟
تساءلت بشك فحدق إلى بتمعن وقال ببرود: ستحاولين استدراجي؟ لا تحاولي قبل أن تبدئي حتى. أخبرتكِ بما عليكِ فعله وحسب.
هناك أمر آخر! لطالما كنت تحاول اقناعي بالمساهمة ولو قليلاً معكم في المدينة الإعلامية ولكنك توقفت تماماً منذ فترة طويلة! هل لي أن أفهم لماذا؟ توقعت أن أسمع هذا الموضوع مجدداً ولكنك لم تذكره! أبي هل اقتنعت أخيراً بقراري بشأن العمل في المجلة مع السيد كوفمان؟ هل سأستمر في العمل معهم حقاً؟
رفع حاجبه الأيسر بعدم رضى: من كانت تتذمر بإستمرار من رفضي عثورها على عمل مستقل دون أن تساهم في أعمال العائلة؟ لم تتوقفي عن مقارنة نفسكِ بهانا وريتشارد لذا تركتكِ تفعلين ما ترغبين فيه فلماذا ينتابك الشك الآن!
أشحت بناظري بعيداً بإضطراب: لا ينتابني الشك، ولكنني اعتدت الجدال معك بهذا الموضوع.
ليكن في علمكِ أنني لست موافق تماماً على عملك في المجلة ولا زلت أرى أهمية أن تساهمي في العمل مع الجميع ولكنني سأتركك إلى أجل معين، لا تحلمي بالتهرب من الأمر.
لويت شفتي بعدم رضى وقد أخذتني الأفكار ذهاباً وإياباً.! كل ما قاله ينقصه جوانب كثيرة ويلفحه الغموض من كل جهة! بل أن كل ما أمرني به يناقض أوامره المعتادة!
كان ليتشاجر معي ويخبرني بكل وضوح أنه يكره عملي كمصورة في المجلة! بل أنه ذات مرة قال بأنه سيسمح لي العمل في المجلة مقابل أن أساهم معهم في المدينة الإعلامية وأكتسب الخبرة كحال هانا وريتشارد، فهانا رغم ادارتها لمتجرها وعلامتها التجارية الخاصة تساهم في أعمال وشؤون العائلة، ريتشارد رغم تركيزه على الكتابة والنشر والتعامل مع مخرجي الأفلام مؤخراً إلا أنه أكثر من يحرص على مساعدة أبي في عمله كذلك.!، الأمر سيان مع لارز فهو بارز وناجح في ادارة وكالته الفنية ولكن أبي يعتمد عليه في الكثير من الأمور في عمله معه بل ويأخذ بقراراته دائماً وكذلك الحال مع بعض أبناء أعمامي الآخرين. ترقبت أن يجادلني بهذا الشأن ولكنه لم يفعل.!
ربما على التزام الصمت طالما وافق على بقائي بعيدة عن المنزل وهذا هو الأهم الآن!
لا تبدين بخير.
قالها بهدوء وجدية يحدق إلى بتركيز وأردف: ذلك الحقير تجرأ ولمسك، لن يكون هناك مرة قادمة.
نظرتُ إليه بصمت وقد وضعت يداي على الطاولة أميل بجسدي للأمام هامسة: لا أريد رؤيته مجدداً. إن كانت أوامرك للوقت الحالي سيتساعد في ابقاءه بعيداً فلا بأس.
سأحرص ألا يقترب مجدداً.
لامست أنامله يدي وقد لانت ملامحه كثيراً وومضت عينيه الزرقاء ببريق شديد العتب والعذل تجاهي.
تصاعدت في جوفي حرقة وغصة أرغمت الكلمات عن الخروج من بين شفتاي بضعف: أعتذرعلى اثارة قلقك.
ربت على يدي ببطء وظهرت تقطيبة صغيرة بين حاجبيه تنم عن خيبة أمله وضيقه: أعلم ما تشير إلى التقارير الطبية، الكدمات والارتجاج أو حتى الرضة. كل هذا سيدفع ثمنه ذلك السافل.
لا يمكنني انكار امر الارتجاج الذي لم يتسبب به باتريك، ومع ذلك انتباني الأمان الشديد وأومأت برأسي إيجاباً ليسألني: هل تشعرين أنكِ بخير؟ تحسنتِ حقاً؟
بدأ هاتفه يهتز اثر وصول اشعارات عديدة بينما أجيبه مطمأنة: تحسنت بالفعل أبي.
ارتخت ملامحه بشدة وقد زفر براحة وهو ينظر إلى كوب قهوتي: احتسيها قبل أن تبرد. صحيح هناك أمر آخر، لقد طلبت بنفسي من كوفمان أن يتم منحكِ تمديداً لإجازتك، لا تحلمي باستئناف العمل حتى منتصف الأسبوع المقبل.
اتسعت عيناي بذهول فأسرع ينوه على كلماته: فكري في معارضتي. تعلمين جيداً الخطوة التي سأتخذها إن حاولتِ.
سحبت يدي من يده بإنزعاج وقد تذمرت اتكتف بحنق: انت غير عادل! لا يجب أن اوقف عملي لدي الكثير من جلسات التصوير كيف بحق الإله سأبقى دون فعل أي شيء!
ما ستفعلينه هو تركيزك على التحسن وعلى استعادة صحتك بالشكل المطلوب. يكفي تصرفاً بدلال وقلة وعي!
زميت شفتي بقوة ولم أجد ما أقوله! لو عارضته او تصرفت بعناد فسيتغير طلبه من السيد كوفمان من اجازة مؤقتة إلى ايقاف تام عن العمل!
علي المغادرة هناك الكثير من الأعمال بانتظاري، ولكن هناك أمر أخير أرغب في تأكيده عليكِ، توقفي عن منح الثقة إلى الجميع.
نظرت إليه بعدم فهم فوقف وأشار لأحد رجاله أن يقترب وأكد مجدداً على كلماته بجدية: لا تثقي بأحد، انتقي الناس من حولكِ جيداً، لا بأس في أن نكون انتقائيين حذرين وشحيحين في ادخال الناس إلى دائرة المعرفة الخاصة بنا. هل تفهمين هذا؟ ركزي جيداً على كلمات وتصرفات من حولك، لا تكوني ساذجة فقط لأنكِ تحاولين البدء من جديد. لقد خسرتِ الكثير ولا أريد رؤيتكِ تستمرين في الخسارة، والآن اشربي قهوتكِ.
أشار للرجل: أوصلها وتأكد من دخولها بأمان.
بقيت أحدق إليه باستنكار شديد وهو يبتعد وقد استوقفته بسرعة: أبي.
التفت نحوي بترقب فقلت فوراً: أسفة مجدداً على تقصيري.
بقي في مكانه ينظر إلى بصمت، رفع نظارته الشمسية ليرتديها وقد أومأ برأسه بصمت ليغادر ويخرج من المقهى، تابعته بعيناي حتى غادر واختفى عن ناظري.
عقدت حاجباي وامسكت بالكوب لأرتشف منه بشرود!
لا يتصرف على سجيته. أبي يفرض أوامره وينفذها دون أن يترك لي خيار سبق وانه لم يكن مقتنعاً به، فما الذي يخفيه عني؟
أخذتني الأفكار إلى طرق ومنعطفات كثيرة دون جدوى، وكلما طرحت على نفسي سؤالاً وجدته يقودني إلى سؤال آخر.!
انهيت قهوتي وخرجت برفقة الرجل التابع لأبي وما ان نظرت إلى السيارة حتى استوقفته وقلت له بهدوء: هل ذلك الوقح لا يزال في السيارة؟
أومأ برأسه فقلت بجفاء: لن أذهب برفقته.
قلتها بتصميم وعناد فرضخ وقال يشير إلى السيارة الأخرى: إذاً سأوصلكِ مع زميلي.
جيد.
دانيال:
انتابني الغيظ الشديد ورفعت هاتفي لأتصل بها.! ترقبت للمرة الاولى، ثم الثانية ولم أتوقف ولكنها لا تجيب.
كيف خرجت ببساطة بينما عليها ان تقضي وقتها في استعادة عافيتها! هي تحاول الانتحار بلا شك.
نظر أبي نحوي وهو يمضغ طعامه قبل أن يسألني: خرجت للعمل رغم أنني حذرتها مراراً وتكراراً! ماذا لو ساءت صحتها؟
اسندت مرفقي على الطاولة بتفكير: سأرى.
نفي كارل برأسه بلا حيلة: إنها عنيدة جداً!
نظرتُ إلى كيفين الذي بالكاد يتناول طعامه بينما يحدق إلى هاتفه بتمعن وكذلك انتبه أبي له ليسأله: ما الأمر كيفين!
أجاب يركز ناظره على شاشة هاتفه: أقرأ المقالة حول المسابقة.
ابتسم كارل بهدوء وربت على كتفه: نشعر بالفخر لما حصدته كيفين، حصولك على المركز الأول ليس بالأمر السهل أو البسيط، لابد وأن المدرسة تشعر بالفخر تجاهك كذلك!
توقعتُ خصوماً أقوى في المسابقة.
لويت شفتي بسخرية: بالطبع لن يتفوقوا على طالب يتعاطى الكُتب في كل حين. أعراض الإدمان لديك أسوأ من الجميع بلا شك!
علق لاري بسعادة: أنا أيضاً أريد المشاركة في مسابقة مماثلة!
شجعه كارل بلطف: يمكنك ذلك، ابذل جهدك في الدراسة.
عندما انهى الجميع فطورهم كان كيفين من يقوم هذه المرة بغسل الأطباق بعد أن أعد كارل الفطور. ذهبت إلى الغرفة لأخذ المغلف البني وأنزل حيث أبي الذي يستعد لافتتاح محل الحلاقة، رأيته يفتح الأدراج الخاصة بعدة الحلاقة فاقتربت منه وقلت بهدوء: إليكَ هذا.
التفت إلى بترقب فناولته المغلف لينظر إليه: ما هذا؟
خذه.!
تناوله مني ونظر إلى ما في داخله ليعقد حاجبيه بإستهجان شديد: ما كل هذه النقود!
غمزت له بمكر: سرقتها، ولكن أضمن لك عدم تورطنا فلقد درست الموضوع جيداً.
ضاقت عينيه محذراً: كفاك سخفاً وتحدث دان من أي لك بهذه النقود كلها؟
اسندت ظهري على الحائط خلفي وأجبته بتبرم: مستحقات العمل في المجلة، أخبرت الآنسة المصورة أنه مبلغ كبير جداً ولكنها قالت أنها الأسعار المعتادة لجلسات التصوير والترويج.
ولماذا تسلمني المال! أنت من بذل مجهوداً فما شأني أنا!
لا يمكنك أن تكون جاداً، نحن نحاول تسديد الديون بشتى الطرق وها قد وجدت طريقة مناسبة لذا لك حرية التصرف، لنحاول ان نخرس أفواه أؤلئك المزعجين اللذين لا يتوقفون عن الاتصال بك بشأن تسديد المال.
طرف بعينيه وقد ارتخت ملامحه قليلاً يحدق إلى المغلف فأكملت أتكتف بهدوء: نحتاج إلى المزيد من الجلسات وسنكون قادرين على.
انها نقودك.
لا أهتم!
حدق إلى بتركيز وقد انخفضت يده قليلاً ينزل المغلف واقترب يواجهني بجدية قبل أن يقول: لا تهتم.؟
أومأت بصمت وترقب ليفاجئني بسؤاله: مع أنكَ قبلت العمل مع الآنسة كتاليا لأجل المال.؟
بقيت أنظر إليه أستوعب عشرات الأفكار التي تتجول في عقلي.
دانيال. يفترض أنكَ تعمل معها لأجل المال، صحيح؟
عاود يسألني بشك يحكم قبضته على المغلف قبل أن يومئ برأسه إيجاباً: نعم لا شك في ذلك، فلا دافع آخر لديك.
رفع المغلف أمامي وقال بهدوء: لا بأس إذاً، ولكن خذ نصف المبلغ على الأقل، لن أقبل به كله.
بقيت شاخصاً في مكاني ورفعت يدي دون وعي لأخذ منه نصف المال أحدق إلى عينيه الجادة بصمت.
دافع آخر.؟
دافعي من العمل معها.!
طرفت بعيناي مرارا وقد تصاعد في جوفي شيء غريب مزعج أرغمني على تمرير يدي على عنقي وقد تنحنحت أحاول التخلص منه.
ينتابني انزعاج مفاجئ!، وجدت نفسي على إثره أتحرك لأصعد إلى الغرفة.
وقفت أمام المرآة قليلاً أحدق إلى نفسي بتشتت قبل أن أزفر وأضع باقي النقود في المحفظة والقي بها على سريري.
أريد العمل معها لألفت نظر الجبان الهارب لألقنه درساً وأرغم أؤلئك الاوغاد على الاعتذار إليه أيضاً، ولكن لماذا بحق الإله انتابني ضيق مفاجئ.!
وضعت يدي على خصري اقف في منتصف الغرفة قبل أن أرى كارل يدخل ويحدق إلى هاتفه، بدى مضطرباً بطريقة ما فسألته: ما الأمر؟
أجفل حين انتبه لوجودي ونظر إلى بتدارك قبل أن يتأكد من إغلاق الباب خلفه وقد اقترب مني بخطى واسعة.
أحاط كتفي بذراعه وقال هامساً: تذكر أمر المرأة التي أخبرتك بشأنها؟ تلك التي قمت بمساعدتها!
أومأت بحيرة: ما خطبها!
سأخرج لرؤيتها كما تعلم!، يدي تتعرق منذ الآن يكاد هاتفي ينزلق كيف بحق الإله سألتقي بها! الموقع بعيد نسبياً أشعر برغبة في رفض الأمر ولكن. لا أدري!
ابتسمت بمكر: أنظر إليك!
أعقبت أتساءل بحيرة: دعني أرى.
ناولني هاتفه لأنظر إلى الموقع الذي أرسلته إليه، مطعم مُطل على متنزه قريب من الشاطئ.
نظرتُ إلى كارل وأعدت إليه هاتفه: أعتقد أنه يمكنك الذهاب وسماع ما تريد قوله! أعلم جيداً كيف تشعر ولكن. أنت منقذها ولا يبدو انها تنوي تركك حتى تشكرك بطريقة ملائمة في نظرها! ولكن كيف قد تشكرك أكثر من قول كلمة امتنان؟
أومأ بحيرة: هذا ما أفكر به أيضاً! يمكنها أن تعبر عن امتنانها عن طريق الهاتف وحسب أليس كذلك؟
ضاقت عيناي بتفكير: هل يعقل أنها. تخطط لأمر ما!
اتسعت عينيه بشك فقلت بحذر: هل تذكر رحلة العمل التي ذهبت إليها ليومين؟ التقيت بعارضة جريئة جداً وفعلت أمر لن يخطر على بالك إنها خطيرة جداً!، ماذا لو كانت هذه العارضة تفكر في طريقة مماثلة!
ما الذي حدث لك!
ت. تسللت إلى غرفتي في وقت متأخر! اضطررت لإخراجها بالقوة، كدت ألفظ آخر أنفاسي يا رجل!
فغر فمه بذهول: لا يمكنك أن تكون جاداً!
ولكنها دعتك إلى مكان عام، أرجح أنك ستكون بأمان اذهب وأنصت إلى ما تريد قوله!
زفر بتشتت قبل أن يبعد ذراعه عن كتفي وتنهد: لا يجب أن أفكر أكثر من اللازم.
غمزت له مشجعاً: حظاً موفقاً، صحيح سيكون اعداد الغداء أيضاً من نصيبك إيّاك وأن تتأخر.
أومأ ثم سألني بجدية يتجه إلى خزانته وقد أخرج قميصاً أزرق داكن: ماذا بشأن الآنسة كتاليا؟ لم تجب بعد؟
أجبته بجمود: اتخذت قراري مسبقاً.
نزع قميصه وبدأ يرتدي الآخر متسائلاً بإهتمام: ماذا ستفعل ان كانت لا تجيب على اتصالاتك!
سأخرج قليلاً، سأذهب إلى مقر عملها وأرغمها على العودة.
اتسعت عينيه بعدم استيعاب: ماذا؟
رفعت كتفاي: تقترح حل آخر؟
قلت ذلك بينما أتحرك لأخرج من الغرفة فاستوقفي معترضاً: مهلا دان هذا ليس حلاً! أيها المجنون فكّر بتأني قبل اتخاذ خطوة مماثلة ماذا لو تفاقم الأمر هناك وتسببت بالمشاكل!
رمقته من فوق كتفي قبل أن أخرج: ما الجديد؟
طرف بعدم تصديق في حين خرجت من الغرفة أنوي النزول إلى المرأب حيث دراجتي ولكنني توقفت مجفلاً لرؤية من عبرت الممر أمامي بخطى هادئة!
نظرت إليها بعدم استيعاب أتابعها بعيناي بينما بدت شاردة تماماً وهي تحدث نفسها بتركيز دون ان تنتبه لي حتى!
لقد. عادت في وقت مبكر! يفترض أنها ذهبت إلى عملها اليس كذلك؟
لماذا هي هنا!
مشيت خلفها بضع خطوات صغيرة وقبل أن أنادي بها لتقف سمعتها تتمتم بصوت خافت: ولكنني لا أريد مواعدة لارز.
مواعدة؟
لارز!
بقيت في مكاني ساكناً تماماً أحدق حيث كانت للتو قبل أن تصعد إلى غرفتها.
المزيد من أسماء الرجال! القائمة تطول ولا تنتهي!
مررت يدي خلف عنقي قبل أن أزفر بقوة.
ما هذا الآن؟ من كل هؤلاء!
من سيكون التالي! ما قصة هذه الفتاة تحديداً؟
ف. فليكن!
لازال على أن أتأكد ما ان كان كل شيء بخير!، صعدت الدرج وطرقت على باب غرفتها الذي قمنا بتصليحه مسبقاً، فتحت الباب ووقفت تنظر إلى بهدوء: ما الأمر؟
خرجتِ للعمل ولكنكِ عدت الآن، هل هناك أي خطب!
سألتها بجفاء فارتفع حاجبيها للحظة قبل ان تبتسم بتهكم: هل هذا ما عنيته بتحمل المسؤولية إذاً؟ تجيد لعب هذا الدور جيداً!
ازعجني تعليقها الساخر وقد أشحت بوجهي بحزم: أنا جاد الآن لذا كفاكِ سخفاً.
أردت التوجه إلى عملي ولكن كان لدي ما أفعله وقد غيرت الخطة، ماذا؟ تريد التفاصيل أيضاً؟
تساءلت بإنزعاج فقلت بجدية: ماذا عن العمل! هل تنوين العودة حقاً؟ أرى أنه من الضروري ان تهتمي بصحتكِ وتتوقفي عن هذا الإهمال!
ارتخت ملامحها قليلاً قبل أن أتفاجئ بها تقترب خطوات صغيرة تسارع على إثرها خفقات قلبي بشدة، رفعت نفسها تقف على أطراف أصابعها هامسة بنبرة خافتة وبكلمات بطيئة: تغيّر الرجل المُعقد وبات يتدخل في شؤوني دون تردد!
تراجعت للوراء وزمجرت في وجهها بحزم متلعثماً رغماً عني: لا أريد تكرار كلماتي مجدداً لقد كنتُ واضحاً جداً عندما قلتُ بأنني.
بأنني مسؤوليتك؟ ولكنك لم تأخذ الإذن مني بعد.
لا أهتم برأيك!
ولكنني لا أنوي أن أكون تحت مسؤوليتك. الفكرة برمتها تزعجني.
خرجت الكلمات من فمي بإندفاع استخدم النبرة الساخرة بإزدراء: محقة حينها سيتشتت تفكيركِ فلديك بالفعل من تحتاجين إلى أن توليهم التركيز الواحد تلو الآخر.
ما هذه الحماقة التي أقولها الآن!
عقدت حاجبيها للحظة قبل أن تردد بعدم فهم: أوليهم التركيز؟ ماذا تقصد!
نزلت الدرج بإمتعاض: خلاصة الحديث لا عمل حتى تتحسن حالتك نحن لا نسمح بتوريطنا في المزيد من الكوارث والمصائب.
مهلاً.
استوقفتني ما ان وصلت إلى نهاية الدرج، رمقتها من فوق كتفي بجفاء فقالت تستند على طرف الباب تحدق إلى بتمعن: وصلتني رسالة من العمل للتو، سيكون هناك حَفل لحصاد انجازات وأعمال الربع الثاني من العمل، أنتَ مدعو بصفتك أحد العاملين على الأعمال الحصرية مع مجموعة كبيرة من العارضين والممثلين المساهمين أيضاً.
اشرت بيدي بلا اكتراث: حظاً موفقاً لكِ.
لابد أن تكون متواجداً!
لست مهتم بهذا الهراء.
تحركت أنوي الابتعاد ولكنها نادت بي بإنزعاج: لحظة واحدة!
تجاهلتها وأكملت طريقي لأنزل إلى المحل وأشرع بالعمل مع أبي.
حفل؟ من سيرغب في المشاركة في أمور مماثلة! أول وآخر حفل قمت بحضوره كان حفل تخرجي من الجامعة، كان المسرح يعج بالطلبة الرجال في كل مكان فكيف لي بحضور حفل قد أرى فيه النساء المتأنقات هنا وهناك! وكأنني سأفعل!
حفل التخرج كان حرباً بين خريجي دفعة الهندسة ودفعة قسم الطب المجانين! أتذكر يومها أنني عدت إلى المنزل بكسر في إبهامي الأيسر عندما تلفظ أحد أؤلئك الحمقى بالإهانات لي ولزملائي في حين نُقل هو إلى مشفى القرية يُعالج الكَسر في فكِه السفلي.
علي كل حال لماذا أصبح من السهل أن يتعكر مزاجي بسهولة في الآونة الأخيرة!
كارل:
إنه الموقع المحدد.
وصلت حيث المطعم قبل الوقت بأكثر من عشرين دقيقة، ينتابني الإرتباك ومع ذلك أحافظ على هدوئي جاهداً.
لم أتوقف عن نسج آلية اللقاء في مخيلتي دون توقف، وجميع المواقف في عقلي أدت بي إلى أسوأ السيناريوهات الممكنة!
علي التصرف برزانة قدر الإمكان، أن أحذر من التصرف بحماقة و اتجنب ان أوضح لها صعوبتي البالغة في الحديث أو التعامل معها، هي ترغب في لقائي لتشكرني فقط لذا لن يطول الأمر.
من الجيد أنني وصلت باكراً حتى ألتقط أنفاسي و.
كارل؟
انتفضت واستدرت فوراً نحو مصدر الصوت.!
لماذا وصلت الآن هي أيضاً بحق خالق الكون!
ركز! احتفظ بهدوءك. أنت رجل هادئ رزين وصعب جداً لا تخرج عن هذا الإطار.
حافظت على هدوئي وقد قلت بهدوء: صباح الخير.
لا أدري أي نوع من التعبيرات كان يعتلي وجهها، هذه المرة أيضاً ترتدي قناع الوجه ونظارتها الشمسية، رفعت يدها تعيد خصلات شعرها الذهبي المموج الطويل خلف أذنها وقالت بنبرة مُرحبة: يبدو أننا وصلنا في الوقت نفسه. لقد حجزت الطاولة مسبقاً في الطابق الثاني من المطعم. أرجو أنني لم أقاطع انشغالك بأمر معين؟
سلاسة حديثها أرغمتني على أن أتجاوب وقد نظرت إلى المطعم ونفيت برأسي: لا بأس أنا متفرغ.
إذاً لندخل.
تحركت تطرق بكعبها العالي على الأرضية لتسبقني، ما ان ابتعدت قليلاً حتى زفرت الهواء كما لو بقيت لعدة دقائق تحت سطح الماء!
كيف بحق الإله كان دانيال قادراً على تجاوز دفعة المشاعر المماثلة! هذا لا يعد شيئاً مقارنة بالمستوى الذي وصل إليه حتى.
أياً يكن لا يجب أن أقف هنا على أن أسرع.
تحركت خلفها وقد شعرت نوعاً ما بعدم الراحة والاضطراب نظراً لكون المطعم ذو مستوى بنجوم عالية، بل ان اجراءات الدخول كانت عالية الحذر من قبل العاملين فيه، المكان راقٍ جداً والزبائن المتواجدين من الواضح أنهم ذوي مكانة اجتماعية ومهنية قوية.
انتابني شعور بعدم الانتماء ومع ذلك بقيت أتبعها حتى صعدت الدرجات المؤدية إلى الطابق الثاني ولحسن الحظ لم تقم باختيار المصعد.
في النهاية رحب بها أحد النادلين و وجهها إلى الطاولة التي قامت بحجزها في زاوية الطابق الثاني، أخبرته قبل ان يرحل بأني يأتي بكأسين من شراب البرتقال الطازج فاستجاب لها وغادر.
المكان مليئ بالزجاج الذي يسمح للزائر بأن تتجول عيناه على الشاطئ والمتنزه المجاور من كل جهة، جلست هي وقالت بنبرة لطيفة: تفضل كارل.
سحبت الكرسي المقابل وجلست بصمت، رفعت يدها اليمنى ونزعت نظارتها الشمسية، لسبب ما جف حلقي ما ان نظرت إلى بعينيها التي بدت زجاجية بلمعة عسلية نظراً لانعكاس اشعة الشمس عليها. اخفضت ناظري فوراً أسيطر على انفاسي السريعة بينما نزعت قناع الوجه وهي تقول: لا أريد أخذ الكثير من وقتك، كما لا يمكنني تجاوز ما حدث ببساطة دون الاعتذار وتقديم الشكر الكافي لك.
ما فعلته كان بديهياً ومن واجبي، لا داعي ل.
توقفت عن الحديث أنظر إليها وهي تضع القناع جانباً.!
كانت لحظات قليلة فقط أتبعتها بالنظر بعيداً بسرعة ولكن ملامح وجهها قد طُبعت في عقلي!، تماماً كما انتابني الإضطراب مع دانيال أمام الآنسة كتاليا للمرة الأولى! النساء الجميلات عقاب خطير بلا شك!
أياً يكن على الايجاز بسرعة والمغادرة في أسرع فرصة ممكنة.
حتى لو كان من واجبك، ولكن لا أحد تطوع للتدخل أو مساعدتي سواك، الجميع هناك على علم بهوية ذلك الوغد، لذا لم يجرؤ أحدهم على التدخل.
انتابني شيء من الفضول وأنا أسأل اتجاوز النظر إليها بينما أحدق عبر الزجاج للخارج: ما مناسبة تلك الزوبعة على كل حال؟
آه لا أدري كيف أختصر الأمر، لك الحق في فهم ما حدث فأنت الوحيد الذي دفع ثمن مساعدتك إياي، في الحقيقة. أنا عارضة أزياء وأعمل على الترويج في مجالات مختلفة أيضاً، هو يدير أعمالي منذ مدة طويلة ولكنه كما ترى. شخص لا يطاق ومهووس وعدواني.
علقت أرمقها بإستنكار: مهووس؟
زفرت وتكتفت تنظر إلى بعبوس: اكتشف أنني أبحث عن وكالة فنية لأعمل معها لأتخلص منه لذا جنّ جنونه، هو رجل أعمال ناجح ولكنه مجرد جبان كل ما يجيد فعله هو البرقلة والتهديد وفي بعض الأحيان يتمادى ويتدخل في الأعمال المقدمة لي، على سبيل المثال يرفض حصولي على الأدوار التي يتعين على فيها مشاركتها مع ممثل أو عارض آخر! لم أحتمل الوضع أكثر وبطريقة ما اكتشف ما أخطط له.
التعليقات