رواية بين الرذاذ للكاتبة أنستازيا الفصل الثامن عشر
كتاليا: ابتسمت بارتياح وقد غمرتني السعادة الشديدة، خرجت من العيادة مطمئنة بشأن بينديكت لأعود أدراجي، لا أصدق أنني كنت مضطرة لرفع تقرير مفصل إلى دانيال الذي سألني عن وجهتي وعن وقت عودتي! أخبرته أنني سأخرج قليلاً فقط ولن أتأخر وبالطبع لن أعلمه بتفاصيل المكان او الغرض من خروجي أنا لست مضطرة لذلك.!
بدى منزعجاً بشدة وقد شدد على أن أعود في الوقت المحدد! من يظنه نفسه؟ أبي؟
ثم الوقت لا يزال مبكراً إنها الحادية عشر صباحاً فقط فأين عساني سأذهب حتى!
رفعت هاتفي بينما أقف وأنتظر سيارة أجرة، عقدت حاجباي باستغراب شديد أحدق إلى اسم السيد كوفمان الذي يعتلي الشاشة!
أجبت فوراً: مرحباً سيد كوفمان!
أهلاً كتاليا، هل تحسنت حالتك؟ أخبرني والدكِ أنك بحاجة إلى الراحة. أرجو أنكِ بخير!
تساءل بجدية فتحركت لأركب سيارة الأجرة بينما أجيبه: سيغضب مني إن استأنفت عملي لذا على الامتثال لأوامره كما تعلم.
اعترض مؤنباً: كان عليكِ أن تخبرينا بشعورك بالتعب والارهاق! يمكننا على الأقل الموازنة بين جدولكِ أنت وفرانك! ثم أنتما لستما المصوران الوحيدان ولكنكما الأمهر، يحتاج المصورين المستجدين فرصة أيضاً كما تعلمين ولن يرفضوا الأعمال المفوضة إليهم من جدولكِ في جميع الأحوال! أياً يكن أرجو أن تتحسني. عودي إلى العمل عندما تشعرين بأنكِ بخير هل تسمعين هذا؟
تنهدت بعمق وقلت أبتسم بهدوء: ممتنة لإهتمامك.
لا بأس إذاً أردت الإطمئنان بنفسي فقط، سأغلق الآن.
إلى اللق.
صحيح مهلاً!
استوقفني بسرعة وأعقب بنبرة متحيرة كما لو كان يفكر ويحاورني بتشتت: العارض البديل دانيال.
سألته فوراً: ما خطبه؟
كما تعلمين هو لا ينتمي إلى وكالة فنية بشكل رسمي، أرى أنكِ المصورة الخاصة بمجلتنا ولا يجب أن تتشتتي في أكثر من مجال!
عقدت حاجباي بإستنكار شديد: ولكنني قادرة على.
تواصل معي لارز وأعلمني برغبته في التعاقد مع دانيال.
جف حلقي وتجهم وجهي بشدة وقد اشتدت قبضة أناملي حول الهاتف!
يريد. التعاقد معه! سيدير أعماله بشكل كامل؟
سينتمي إلى وكالته الفنية.!
عضضت على طرف شفتي بقهر ووجدت نفسي أقول بجدية: يعمل لدى وكالة لارز الكثير من المشاهير الموهوبين فلماذا يريد دانيال تحديداً!
أجابني بهدوء: في الواقع يوجد أعمال حصرية سيتم الترويج لها ويرى أن دانيال هو الأنسب لها، يبدو أن العارض المبتدئ قد لفت انتباهه بالفعل فلقد سألني ما ان كنا موافقين على ان نفسح المجال له باستقطابه وضمه إلى وكالته.
هل يمازحني! لماذا دانيال بحق الإله هذا غير منطقي؟ وكأنني سأسمح بهذا.
لن أترك له هذا الخيار أبداً!
علي الأقل. ليس الآن!
تمتمت بجفاء: لست موافقة، كما أن دانيال يعمل معي بالفعل ولديه حرية الاختيار، يمكنه التواصل معه إن رغب ولكن غير مسموح له بأن يتجاوزني أولاً.
تنهد بضجر وتبرم: انه ابن عمكِ تفاهمي معه ولا تقحماني في الأمر، كل ما يهمني هو أن يؤدي دانيال عمله على أكمل وجه إن استدعى الأمر أن يعمل لدى مجلتنا مستقبلاً. آه نعم. هناك مستجدات حول رغبة فريق لعبة رهينة القراصنة في تأكيد اختيار دانيال ليؤدي دور الشخصية الرئيسية.
لانت ملامحي بشدة وقلت بسرور: سيُمثل الدور إذاً! لا بُد أن أخبره بهذا.
اهتمي بنفسكِ، لدي اجتماع. سأغلق الآن.
إلى اللقاء سيد كوفمان.
انهيت المكالمة وقد اتسعت ابتسامتي بسعادة شديدة! تم اختياره ليؤدي الدور الفعلي ولن يقتصر الأمر على الترويج للعبة فقط. لا يسعني وصف سعادتي! كنت واثقة أن فريق العمل سيقوم بإختياره بلا شك، سيبرز أكثر وسيلمع نجمه في وقت أقصر من المتوقع. إنها فرصتي!
كلما برز هو صعدت أنا أيضاً.
أنوي التركيز على التصوير ولكنني لا أنوي البقاء خلف الكواليس طويلاً.
تذكرت أمر لارز فانتابني انزعاج شديد وقد تعكر مزاجي فوراً.!
كيف يجرؤ على محاولة أخذه مني!
لارز هذا.
ما الذي يحاول فعله؟ لديه أشهر الممثلين والعارضين والأمهر في الساحة فعليه أن يبعد عينيه عن دانيال وان يتوقف عن التفكير باستقطابه إلى وكالته.
لحظة.
ماذا لو وصل إليه؟ إن اتصل به واقنعه بالإنضمام إليه؟
لا يجب ان يحدث هذا.
علي أن أضمن ألا يفكر دانيال بتركي او التوقف عن التعاون معي.
ولأفعل هذا.
أنا بحاجة إلى التقرب إليه! على فعل هذا مهما كان صعباً.
نظرت من حولي للمكان وقلت للسائق: من فضلك. سأغير وجهتي إلى موقع آخر. انتظر ثوانِ فقط سأريك الموقع.
أسرعت أبحث في هاتفي عن موقع محدد وقد عزمت أمري.
تجولت بين الأرفف بحيرة حتى جثيت أحدق بتمعن إلى الرّف السفلي.
تساءل العامل برسمية وهدوء: إنها مجموعة حصرية يا آنسة. تصميمها رائج في الآونة الأخيرة بين الشبان، هل تريدين منحها كهدية لصديقك؟
أومأت مسايرة ومفكرة بينما أحدق إلى الرف بتمعن: دراجته سوداء. أعتقد أن هذه الخوذة ستكون مناسبة ما رأيك؟
نظر إلى الخوذة التي أشير إليها، حيث كانت سوداء بالكامل دون لمعة على عكس المجموعة الأخرى، ابتسم لي وأشار للخلف: انها خوذة رائعة بلا شك، وتلك أيضاً ستكون مناسبة.
وقفت لأنظر إلى خوذة تم وضعها فوق درجة نارية معروضة للبيع، اقتربت منها ورفعت الخوذة أنظر إليها بتمعن، كانت سوداء كذلك ولكن الموضع الأمامي لوقاية الأعين كان عاكساً بشدة، ابتسمت ونظرت إليه برضى: لقد أعجبتني هذه! سآخذها.
وصلتُ حيث منزل السيد هاريسون، ولكنني وقبل أن أدخل أجبت على مكالمة وردتني من ريتشارد لأقول مبتسمة: مرحباً بالكاتب الشهير.
أتى صوته مُعاتباً: لماذا لم تجيبي على رسالتي؟ اتفقنا أنكِ لن تتجاهلي أي رسالة أو مكالمة!
طرفت بعيني بحيرة: متى ارسلتها! لقد كنت أتسوق لم أنتبه لهاتفي حقاً.
تنهد بعمق: قبل ساعة تقريباً، هل أنتِ بخير؟
في حال جيدة، ماذا عنك ريتشارد؟ وماذا عن فيونا!
أنا بخير وكذلك فيونا، ولكنها أعلمتني برغبتها في رؤيتك! مضى وقت طويل جداً على آخر مرة التقيتِ بها.
سمعتُ صوتاً طفولي بجانبه: أريد رؤية عمتي كاتي!
ابتسمت بتلقائية وقلتُ فوراً: كيف أرفض لها طلباً بحق الإله! متى سيكون الوقت مناسباً لكما؟
أعقبت فوراً بتدارك: سنلتقي. في مكان آخر غير المنزل اليس كذلك؟
أجابني مطمئناً: سأخذها لتلعب في المتنزه في صباح الغد، كانت متعبة قليلاً في الأيام الماضية لذا أرغب في تعويضها عن بقائها لوقت طويل في المنزل، يمكنكِ المجيء؟
سأكون متواجدة إذاً! أنت. لن تصحب شخص آخر صحيح؟
سألته بتردد وقلق، ثم سمعته يتنهد: لن أفعل كتاليا، أعلم جيداً ما ترغبين فيه ولن أقوم بالعكس!
لنتفق على الوقت والمكان سأكون في انتظار تأكيدك.
حسناً، كوني بخير واهتمي بنفسك.
أخذت نفساً عميقاً قبل أن أقول له بينما اتحرك قليلاً أمام منزل السيد هاريسون: لابد وأنكَ تعلم حول لقائي بأبي، كان غاضباً جداً ولا يمكنني لومه، للحظة اعتقدتُ أنك أخبرته بشأن باتريك ولكن اتضح أنه يعلم بكل شيء منذ البداية!
ساد الصمت بيننا للحظات حتى كسره بقوله بهدوء: رأيتِ؟ لا جدوى من اخفاء أي شيء.
أضاف بجدية: الأهم أنكِ تفاهمت معه.
نعم، فعلت.
الهرب لن يأتي بأي نتيجة، كانت المواجهة هي الخيار الوحيد منذ البداية، هربك غير وارد كات. كلما ابتعدتِ عنه وتهربت منه كلما وجدتِ نفسكِ تغوصين في فوهة المشاكل المعقدة أكثر، باتريك سيبقى حولكِ مالم تتصرفي بهذا الشأن. وأيضاً.
صمت قليلاً قبل أن يكمل: المشكلة الأكبر التي يواجهها أبي هي ثقتكِ التي تمنحينها للآخرين بسهولة.
عقدت حاجباي بإستنكار ووقفت مكاني بصمت.
الثقة. مجدداً؟
وجدت نفسي أتساءل بجدية: هل تعرف شيئاً ريتشارد؟
طالما التزم أبي الهدوء، فلا حق لي في قول شيء. سيتضح كل شيء في الوقت المناسب، لا تتسرعي.
انتابني الإضطراب متمتمة: لا يسعني سوى القلق!
طالما تنصتين إلى ما يقوله. ستكونين بخير بلا شك.
تنهدت بعمق وقلت بلا حيلة: ما كل هذا الغموض تحديداً! إن كنت لا تنوي التحدث فتوقف عن إثارة فضولي أرجوك.
شعرت به يبتسم مطمئناً: لا تقلقي ولا تفكري كثيراً كوني واثقة أنه سيفعل ما بوسعه دائماً لأجلكِ، سأغلق الآن على الذهاب مع فيونا لتشتري زياً جديداً لحصصها الخاصة.
ابتسمت بلطف واستدرت اعود أدراجي لمنزل السيد هاريسون الذي ابتعدت عنه دون أن أشعر وقلت محفزة: حصص الباليه إذاً، أرجو أنها ستحصد المراكز الأولى دائماً، حسناً إذاً قم بتأكيد الموقع والوقت كما اتفقنا، الى اللقاء.
انهيت المكالمة وقد دفعت باب محل الحلاقة لأدخل، رأيت دانيال والسيد هاريسون يعملان بإنهماك وقد كان المحل مزدحماً!
القى السيد هاريسون نظرة سريعة على واستكمل عمله في حين انتبه دانيال لي قبل أن يعيد ناظره إلى الزبون وينزع من حول عنقه الغطاء الواقي الخاص بالحلاقة ليقف الأخير وهو ينظر إلى ذقنه وشعره قبل أن يدفع المال ويغادر، بقيت في مكاني أحدق إلى دانيال واحترت في ما ان كان على اعطاؤه الخوذة الآن أو في وقت لاحق، وفي النهاية قررت أن أكمل طريقي لأصعد وأخذت الكيس معي. إنه مشغول على أي حال والوقت غير مناسب.
عندما صعدت الدرج أنوي التوجه نحو غرفتي لمحت لاري الذي خرج من الغرفة بخطوات سريعة واتجه إلى غرفة المعيشة على عجالة.
تقدمت أكثر وما ان وجدته يقوم برفع مستوى صوت التلفاز حتى أيقنت ان برنامجه المقزز الخاص بالحشرات سيبدأ.
أكملت طريقي ولكنني أبطأت في خطواتي مفكرة بأمر هذا الطفل!
أريد التركيز على كل الطرق الممكنة للتقرب من دانيال في الوقت الحالي، أحتاج إلى كسب ثقته أكثر والتأثير عليه.
هل على استغلال شقيقه الصغير هذا؟ ألا يفترض أن أسعى لتقويم علاقتي به وتصحيح مسارها على الأقل ليتوقف عن اظهار كراهيته نحوي؟
هو شقيقه الأصغر لا بد وأن أمر كهذا سيترك في نفسه أثراً!
صعدت إلى الغرفة وكل تفكيري ينحصر على كيفية تحقيق هذا. وفي النهاية توصلتُ إلى فكرة لا بأس بها!، طالما أنني في اجازة مَرضية ولا أستطيع مزاولة عملي، فلدي الوقت الكافي لتعويضه عن تلك الرحلة المدرسية التي عوقب بشأنها ومنعه والده من الذهاب إليها.!
قد يغير من أسلوبه الفظ معي ويتوقف عن خططه الإجرامية في حقي.
لما لا؟ إنه السبيل الوحيد أمامي الآن.
سأعلم السيد هاريسون بالأمر، سأصحبه بعد غد.
كان كارل ودانيال الوحيدان على طاولة العشاء بعد ان غادرها السيد هاريسون وكيفين ثم لاري، بقيت أتناول طعامي أُنصت إلى حوارهما المليء بالألغاز وقد بدى الاثنان منهمكان في حديثهما تماماً ليقول دانيال بجدية: لا أنصحك بهذا كارل، لن يكون المكان مناسباً!
نفي كارل برأسه بهدوء: لا بأس سأقبل به مؤقتاً.
هما يتعمدان التحدث بغموض لأنني متواجدة، ما ان رحل الجميع عن المائدة حتى بدءا يتهامسان واستشعرت حذرهما الشديد من سماع السيد هاريسون لحوارهما!
تمتم دانيال على مضض: افعل ما شئت ولكنني لا أظنه الخَيار الأنسَب حقاً.!
ابتسم له كارل: لا تفكر بالأمر أكثر من اللازم إنه الخيار الوحيد المتاح الآن.
أردف بصوت منخفض حذر: اتصلتُ به وأكد لي أن أذهب لمقابلته غداً. يبدو أنه بحاجة إلى انهاء الإجراءات بالفعل فلقد قرر من تلقاء نفسه أن أذهب إليه برفقة الأوراق الثبوتية كما لو يريد الانتهاء بأسرع وقت!
تنهدت بعمق ووقفت متمتمة: لقد شبعت، شكراً جزيلاً على العشاء كارل. كان لذيذاً كالعادة.
أومأ يخفض ناظره إلى الطبق ثم القى على نظرة سريعة: سعيد أنه أعجبك.
ابتسمت له بهدوء قبل ان أقول لدانيال بشيء من التودد: عندما تتفرغ لاحقاً أعلمني.
اسند مرفقه على الطاولة بتبرم: سأخرج للهرولة بعد قليل، إن كان هناك ما تريدين قوله فقوليه الآن. أو بعد عودتي، أياً يكن.
سيخرج للهرولة إذاً!
انها فرصة أفضل بكثير مما توقعت.
أومأت له برأسي وأسرعت نحو غرفتي، لا تبدو فكرة سيئة سأفاجئه بخروجي للهرولة معه.!
لن أهدر أي لحظة أو فرصة تأتي إلى على طبق من ذهب.
استبدلت ملابسي بأخرى، ارتديت بنطال قطني قصير أسود وقميص أبيض بأكمام قصيرة، وجوارب مناسبة كذلك ثم حذائي الرياضي وبقيت اجلس في الغرفة لأنتظر قليلاً.
ها هو ذا على وشك الخروج يتأكد من لف ربطة حذائه جيداً، حين وقف ينوي الخروج أسرعت أنزل فانتبه لصوت خطواتي مستديراً حتى عقد حاجبيه بإستغراب شديد مدركاً حقيقة ارتدائي لملابس مختلفة مناسبة للهرولة! ويبدو انه خمن ذلك بسرعة لأنه طرف بعينه بتفكير قبل أن يقول بشك: ماذا؟
أجبته مبتسمة: سأهرول معك!
هاه!
نظر إلى بدهشة لينفي برأسه: بالطبع لا! اذهبي للهرولة بعيداً عني ما شأني أنا.!
تنهدت بعبوس وعاتبته أتقدم أكثر: وستترك فتاة مُنهكَة وحدها؟
لوى شفته مقتضباً بشدة: وها قد قلتها بنفسك ان كنتِ منهكة فحري بكِ البقاء في المنزل! ثم حتى لو رغبتي في ذلك ابتعدي عني وهرولي كيفما وأينما شئتِ!
قلتَ بأنك ستتحمل مسؤوليتي؟ وها أنت ذا لا تؤدي ما يتوجب عليك فعله، هل كنتَ تدعي الاهتمام والوعي المفرط مثلاً؟
اشاح بناظره بحزم: أن أتحمل المسؤولية شأن معين، وأن تخرجي للهرولة معي شأن آخر تماماً! منذ متى تهتمين بالهرولة أصلاً! افعلي هذا صباحاً والآن دعيني وشأني.
استدار وأخذ زجاجة الماء التي كان يضعها على طاولة الحلاقة المجاورة للباب وهو يعقب متذمراً بتلعثم: ث. ثم من يرتدي ملابس مثل هذه في وقت كهذا! هل ظننتِ نفسك. ذاهبة إلى الشاطئ؟ ما هذه الجرأة بحق الإله؟ الشارع مليئ بالمنحرفين المتعطشين ستكونين مجرد ضحية ساذجة ولن تجدي من يسعفك من حماقتك!
قلّبت عيناي بنفاذ صبر وإنزعاج، ولكن ما ان استدار نحوي حتى أسرعت ارتدي قناع الهدوء والعبوس لأقول: لا بأس سأهرول وحدي، يمكنكَ الخروج.
ضاقت عينيه للحظة قبل أن ينظر بعيداً وينوه على كلماته بحدة: هرولي صباحاً.
تحرك وخرج بالفعل يصفق الباب خلفه فبقيت في مكاني بغيظ شديد!
وكأنني سأنصت إليه!
انتظرت قليلاً فقط حتى خرجت خلفه، لمحته قد ابتعد بمسافة كبيرة نسبياً فأسرعت خلفه.
قطع اشارة المشاة التي كانت خضراء وقد تبعته دون ان ينتبه، وعندما سلك الطريق المؤدي إلى الممشى وجدت نفسي أنادي باسمه لأستوقفه، وقف فوراً والتفت بسرعة وقد سلك الإنزعاج مجراه على وجهه.
تقدمت نحوه وابتسمت بهدوء: أحتاج إلى هضم طعام العشاء، كما أنه من الضروري استعادة صحتي اليس كذلك؟ الهرولة ليست خياراً سيئاً. صحيح؟
وضع يده على خصره وأغمض عينيه بصبر قبل أن يزفر بقوة.
أخذت ربطة الشعر التي كنت ألفها حول معصمي لأرفع بها شعري واجمره مردفة: تحرك ما الذي تنتظره!
بقي في مكانه منزعجاً بوضوح وهو يعترض بتوتر: لن أفعل!
رفعت كتفاي أتظاهر بعدم الاكتراث وقلت على عجالة: كما تريد، سأذهب من هنا.
بدأت أهرول مبتعدة عنه، أنا واثقة أنه سيتبعني في النهاية ان وضعته أمام الأمر الواقع.
هو لن يتجاهل الأمر. إنها طبيعته!
مضت لحظات قصيرة فقط وبعدها استشعرت خطواته تبعد عني بمسافة لا بأس بها خلفي، القيت نظرة فرأيته يهرول قريباً بتجهم شديد، أبطأت من خطواتي لأكون بجانبه فاعترض دون ان يقف: ما هذا فجأة! كان بإمكانك الهرولة أو حتى الغوص صباحاً لماذا الآن تحديداً!؟
ابتسمت أنظر إلى الطريق أمامي: أخبرتك أنني أريد هضم طعام العشاء، أشعر بالتخمة.
تناولتِ بضع ملاعق فقط فعن أي تخمة تتحدثين!
قالها بتهكم شديد في حين انتابتني الحيرة، هل تناولتُ قدراً ضئيلاً من الطعام؟ لم أنتبه! ولكنني شعرت بالشبع بسرعة بالفعل.!
سايرته ممازحة: لا تقارن معدتي بمعدة الحوت خاصتك.!
علي كل حال ستكون المرة الأولى والاخيرة والوحيدة، لن تفسدي وقتي الخاص بالهرولة مجدداً مفهوم!
يعتمد هذا على رغبتي الخاصة! الممشى مِلك للجميع، الوقت لا يمكنكَ التحكم به، وحاجتي إلى الهرولة لا يجب أن تتزامن مع وقت لا تخرج أنت فيه للهرولة!
لوى شفته بعدم إقتناع وقد أسرع من خطواته فجأة فوجدت نفسي ألحق به بسرعة.
توقفتُ أحني جذعي لأسند يداي على ركبتاي لاهثة بتعب!
بالكاد التقطت أنفاسي ورفعت عيناي أنظر إليه وقد توقف هو أيضاً ولكنني تفاجأت به يتجه نحو المقعد يمسح عرق جبينه بالمنشفة الصغيرة قبل يضع يديه على طرف المقعد مستعيناً به ليبدأ بممارسة تمرين الضغط!
ب. بحق الإله؟
كان سريعاً في هرولته ولم يمضي وقتاً قصيراً، حاولت مجاراته ولكنه لم يتوقف سوى الآن! أنّى له طاقة في استكمال التمارين؟ لياقتي ليست سيئة ولكنني لا أشعر أنني بخير حقاً. ربما لازلت منهكة وأحمل نفسي فوق طاقتها!
أغمضت عيناي بتعب وحاولت أن أتنفس بعمق حتى شعرت بالهدوء يعود إلى صدري تدريجياً.
تحركت وجلست على مقعد قريب أنظر إليه بينما كان منهمكاً تماماً.
كان التوتر يسيطر عليه طوال الوقت، يحاول جاهداً أن يترك بيننا مسافة كافية مهما حاولت، صحيح أنه بدأ يتحرر في محاورتي والحديث معي ولكن الاقتراب منه لازال صعباً.
لحظات قليلة حتى توقف عن التمرين وجلس على المقعد ينظر إلى المؤقت في هاتفه.
حين رفع زجاجة الماء ليرتشف منها استوعبت جفاف حلقي وعطشي، لذا تحركتُ أتجه إلى مقعده بتلقائية وما ان وضع الزجاجة بجانبه حتى أخذتها وقلتُ بهدوء: أشعر بالعطش.
ارتشفت منها أروي عطشي ثم أغلقتها أدير الغطاء واعدتها إليه فطرف بعينه بإضطراب وبدى الإرتباك يسيطر على تحركاته يحدق إلى الزجاجة ببلاهة قبل أن يتذمر بصوت خافت!، بل أنه رمقني بنظرة سريعة قبل أن يشيح بناظره فعقدت حاجباي: ماذا؟
ماذا؟ لا شيء.
عاود ينظر إلى الزجاجة فتنهدت بلا حيلة، هذا الرجل. مستمر في مفاجئني دائماً بتصرفاته التي لا تتوافق أبداً مع مظهره. من عساه يصدق ان الرجل ذو الهيئة الجانحة المُهيبة سيفكر في صغائر الأمور؟
التزمت الصمت قليلاً وبقيت أجلس على المقعد المجاور له، كان قد رفع المنشفة مجدداً يَمسح جبينه ويعيد شعره للخلف ثم أغمض عينيه مسترخياً، حينها وجدت نفسي أقول لأكسر حاجز الصمت: لقد. كنتُ أفكر في محاولة التفاهم مع لاري.
شدته كلماتي فنظر نحوي بحيرة لأكمل فوراً: أخطط لإصطحابه إلى المتحف الأحيائي الذي كان يرغب في الذهاب إليه مع زملاءه في الرحلة المدرسية، قد يُحسن هذا علاقتنا ألا تتفق؟
ظهرت تقطيبة صغيرة بين حاجبيه وبدى حائراً قبل أن يقول بتهكم: هكذا إذاً، لا أعلم. قد ينعكس هذا إيجاباً على محاولاته للتخلص منكِ.
هل تأثر بكلماتي يا ترى؟ هل على أن أكون عاطفية أكثر؟ لم التمس ردة الفعل التي توقعتها بعد.
لا يقتصر الأمر على محاولاته للتخلص مني فقط، أريد أن أوضح له أنني لست في منزلكم لمحاولة إيذاء أحدكم وما شابه، لعلها تكون نقطة تحول مثلاً، هو عدواني جداً معي ولكن لطيف معكم لذا ربما يمكنني التقرب إليه إن اصطحبته حيث يرغب.
لاري سهل الإرضاء، هو فقط لن يتقبلك بسهولة.
شردت عينيه قليلاً قبل أن يتمتم مردفاً: لن يقبل بوجود من يعتقد أنهم ليسوا أهلاً للثقة.
هاه؟
عقدت حاجباي بإستغراب ليقول بتدارك: جربي، ولكن إن حاول الظفر بكِ لا تترددي في الاتصال بالطوارئ. هذا الطفل لا ينوي تركك وشأنك!
مازحته بسخرية: على التمرن على ضبط أعصابي، للأسف سأفقد صبري أمامه أيضاً و حينها سيعود أحدنا الى المنزل وسيبقى الآخر مفقوداً.
زفر بتهكم وأومأ مؤيداً: سيبقى الإحتمال الأكبر بلا شك. ولكن. لما لا؟ حاولي. فمن يعلم ما سيؤول إليه الوضع معه!
عاد الصمت ليسود المكان من جديد، بقي هو يحدق إلى الأمام بينما ترددت أبحث عن أي وسيلة أخرى لأكسر الصمت مجدداً.
ما الذي على قوله؟ لا بد من كسر المزيد من الحواجز. ولكن كيف!
نظرت من حولي بتفكير.
لمحت ثنائي يقومان بممارسة الرياضة معاً، ومجموعة من الشبان يتبادلون الأحاديث والضحك، لفت انتباهي امرأة متأنقة بفستان قصير تسير على عجالة نحو الرصيف وبدت في انتظار سيارة أجرة، تنهدت بعمق أتذكر أمر الحفل الذي رفض منذ البداية الذهاب إليه.
كيف من المفترض أن أقنعه!
نظرتُ نحوه فوجدته يحدق إلى هاتفه قبل أن يقف ويدك الأرض بقدمه بخفة يدفع حذائه جيداً ثم تمتم بتبرم: سأعود مهرولاً.
زفرت بلا حيلة لأتبعه بصمت.
لم تصل بي الأفكار إلى أي وجهة محددة!
تنحيتُ جانباً بينما أهرول معه عندما عبرت بجانبي فتاة وصديقها يمارسان الهرولة كذلك، ولكنني سرعان ما وقفتُ في مكاني بإستيعاب أنظر إلى ما منعني عن اسكمال طريقي.
علق قميصي بطرف بارز من السياج الجانبي للمشى!
استشعر دانيال وقوفي فاستدار بإستغراب قبل ان يعود بضع خطوات: ما الأمر!
أجبته أركز على محاولة التخلص من القطعة العالقة في قميصي: شبك السياج. كان على وشك تمزيق قميصي! لحظة واحدة سأتصرف.
أومأ بملل ووقف بترقب.
استمرت محاولاتي مرارا وتكرارا ولكنني زدت الوضع سوءاً حين بدأت الخيوط المحيطة بالطرف العالق تتمزق وتتدلى!
توقفت فوراً بإنزعاج ونظرت إليه: سيتمزق لا محالة.
اتسعت عينيه باستيعاب ونفي برأسه فوراً ينهرني: ب. بالطبع لا! حاولي التأني انتظري سأنير لكِ المكان بشكل أفضل!
أنار كشاف هاتفه وسلط الضوء حيث القطعة الحديدية، قلّص المسافة قليلاً بتردد قبل أن يتساءل: حاولي مجدداً.
أطرقت برأسي أحاول من جديد وكما توقعت سحبت الخيوط المحيطة فتدلى المكان الممزق أكثر! ابتسمتُ بتهكم ثم زفرت: يا لحظي! سأمزقه لن أهدر الوقت هنا.
اعترض بحدة واستنكار: لم تجلبي معكِ سترة خفيفة حتى! كما ليس بحوزتي ما يمكنكِ استخدامه مؤقتاً! ان تمزق ف.
توقف قليلاً فتمتمت بملل: فسيكشف الكثير! سيكشف الجزء الجانبي وحسب لماذا تهويل الموضوع! أياً يكن.
أخفضت رأسي أنوي سحب القميص بقوة لولا ان قال بسرعة: دعيني أحاول!
نظرت إليه باستغراب فعقد حاجبيه ولوى شفته بغيظ: لن أسير إلى المنزل مع فتاة بقميص ممزق! جيمس في الارجاء يتصيد أسخف الأسباب ليقبض علي، ابتعدي.
كيف من المفترض أن أبتعد!
أقصد ارفعي رأسك بعيداً فقط. انظري هناك، لا تنظري إلى مباشرة! عودي بجذعك للوراء أكثر.
قلّبت عيناي بنفاذ صبر وتذمرت بينما أرفع رأسي وأميل بجذعي للخلف قليلاً.
كان حذراً بطيئاً وهو يرفع يده حيث الشبك محاولاً سحبها بحذر، حافظت جاهدة على بقائي بعيدة قدر الإمكان وقد القيت نظرة سريعة عليه، بدى مركزاً بشدة رغم الرجفة الواضحة التي سرت في أنامله!، قطبت جبيني حين تجهم وجهه قليلاً ما ان جرح سبابته الطرف الحاد من القطعة الحديدة وقلت: اصبعك!
تمتم بجمود: أصمتي أنا أحاول التركيز هنا. تباً الجو خانق بشدة!
أنتَ من يبالغ في حدة أعصابه.
لقد قلتُ أصمتي صوتك يسبب توتر حاد لي.!
بدى مضطرباً بشدة وقد حاول أن يكون سريعاً، سالت قطرات قليلة من الدماء من سبابته فبقيت أحافظ على هدوئي لئلا أزيد الوضع سوءاً.
كان هذا ما قررته.
قبل أن أصرخ بفزع وأدفعه بقوة نحو الشبك مبتعدة عن المكان بخطوات واسعة!
انتابتني القشعريرة الشديدة وصرخت أمرر يدي على كتفي وجسدي أتأكد من عدم وجود أي شيء فوق جلدي!
بدى مذهولاً يقف بعدم استيعاب يحدق إلي: ما الأمر بحق الإله!
توقفت عن الصراخ ونظرت من حولي بإشمئزاز ثم إلى الشبك: حشرة مقرفة! كانت قريبة مني وعلى وشك لمسي!
طرف بعينيه الزمردية للحظات قبل أن يغمضهما بحنق شديد.
عاودت امرر يدي على ذراعي مضطربة والشعور بالإشمئزاز يسيطر علي! تذمرت ووضحت بإنزعاج: لا يمكنك لومي على ردة فعلي أنا أكره هذه الكائنات ولستُ شقيقك الأصغر الذي سيرحب بها ويأخذها في نزهة معه.
نظر من حوله لثواني قبل أن يزفر بقوة وقال معترضاً: اصرخي لأسباب معقولة، واللعنة اعتقدت أن خطب ما بكِ! لحظة أ. أنتِ.!
اتسعت عينيه ينظر إلى قميصي قبل أن يشيح بوجهه بسرعة، أخفضت ناظري لأدرك أنه تمزق جراء ردة فعلي وأظهر الجزء الجانبي من جذعي أكثر مما. ينبغي!
حاولت أن أقلص المسافة بين الأجزاء الممزقة بيدي حتى سمعته يقول: خذي.
القى على بمنشفته الصغيرة وقال ينظر بعيداً: ليست نظيفة ولكن لا حل آخر، ضعيها بطريقة أو أخرى.
كنت قد التقطتها فوراً ووضعتها على جانبي قبل أن أحاول أن أثبتها بلفها على طرف القميص، لم أفلح في ذلك ولم يكن سهلاً بسبب صغر حجم المنشفة لذا اكتفيت بتثبيتها أسفل ذراعي وقلت منزعجة: سأعود إلى المنزل.
تحركتُ لأسبقه وما ان تحرك أيضاً حتى توقف كلينا ننصت إلى الصوت الذي تعالى فور تحركه مبتعداً عن الشبك.
التفت أنظر إليه من فوق كتفي بينما تسمر في مكانه يطرف بعدم استيعاب.
تمتمتُ بشك: هذا الصوت.
ضرب جبينه بإنزعاج وقال مشيراً إلى بسبابته: هذا ما كنت أقصده! لا شيء جيد يحدث لي حين تكونين في الجوار! أنتِ تزيدين من سوء حظي وترفعين معدل النحس الذي أعاني منه!
استدار قليلاً ينظر إلى الشبك ويضع يديه خلف ظهره.
كانت ثواني فقط حتى أفلت من بين شفتاي ضحكة عجزت عن السيطرة عليها ما أن لمحت قميصه الممزق من الخلف بشكل كبير من أعلى ظهره!
نظر إلى وبدى كما لو يوشك على التذمر لولا أن تفاجأتُ بابتسامة ساخرة سريعة على ثغره تلتها ضحكة خافتة.
اختفت ضحكاتي تدريجياً مدركة أنها قد تكون المرة الأولى التي أرى فيها دانيال يضحك دون تكلف أو حِدة كالمعتاد.!
طرفت بعيني بهدوء أتأمله للحظات حتى قلتُ ارفع حاجباي بإقتناع: هكذا تبدو حين تضحك بعفوية إذاً.!
توقف عن الضحك فوراً واضطرب فابتسمتُ بمكر: ماذا؟ هل تدفع رسوماً مقابل الضحك؟
ضاقت عينيه بحزم: لا أتذكر أنني أؤدي دور الرجل الكئيب!
نظرت إليه بتمعن قبل أن أنفي برأسي: ولكنك تؤدي دور زعيم العصابة الذي سيموت ان ابتسم لتابعيه!
تنهدت بهدوء وقلتُ بجدية: ابتسامتك رائعة دانيال. لا مانع من الثناء عليك، إنه أمر طبيعي!
بدى التفاجؤ جلياً واضحاً على وجهه وهو يخفض ناظره بسرعة، رفع يده بتلقائية يحك أنفه ووجنته دون سبب قبل أن يقول متلعثماً: تعانين من مشكلة ما بلا شك! من بحق الإله قد يثني بطريقة مماثلة على الطرف الأخر دون قيود أو تحفظ.
غمزت بثقة: هذا هو أسلوبك أنت، تذكّر كلماتك التي تفوهت بها بنفسك في المرة الأولى لي في منزلك. على كل حال اصبعك يبدو في حال سيئة إنه ينزف أكثر.
بدى يفكر بكلماتي بإستنكار حتى بدى بأنه يدرك ما عنيته وقد تسارعت أنفاسه قليلاً بتوتر واضح ولم يعلق.
خرجت من الحمام بعد ان ارتديت البجامة ووضعتُ على شعري المنشفة، لمحتُ من خرج من غرفة كيفين ولاري وقد بدى أنه قد انهى استحمامه أيضاً. تجاوزني بسرعة دون كلمة فاستوقفته: مهلاً دانيال هناك ما أريد اعطاؤك إياه.
لم أنتظر رده وقد أسرعت أصعد الدرج المؤدي إلى الغرفة وأخذت الكيس الورقي العريض الذي وضعته بجانب السرير ونزلت لأجده يقف يسند ظهره على الحائط يتثاءب بنعاس.
رفعت الكيس نحوه: خذ.
انتابه الفضول وهو يسألني بإستغراب يحدق إلى الكيس بينما يأخذه: ما هذا!
نظر إلى ما في داخله بين يديه، بدى مستنكراً وهو يخرج ما فيه حتى أمسك الخوذة ونظر إليها بعدم استيعاب.
وضحت له مبتسمة بهدوء: مجرد تعويض عن خوذتك التي خُدشت وتخلصت منها.
بقيت عينيه الزمردية تحدق إلى الخوذة للحظات قبل أن أتفاجئ بقوله بهدوء وهو يعيدها إلى الكيس: يمكنني شراء غيرها، أعيديها من حيث قمتِ بشرائها واستعيدي مالك.
عقدت حاجباي بإستنكار: إنها هدية بسيطة لقد خدشت خوذتك بسببي فلماذا لن تقبلها!
أشار بيده بلا اكتراث: أنا من قام بخدشها وانا من تخلصت منها، تورطتِ بسببي ثم تحررتِ من ذلك المنحرف يبدو لي أنه تعادل منصف. على كل حال سأخلد إلى النوم.
توقف.!
حاولت أن أجعل من نبرتي هادئة منخفضة قدر الإمكان، الهدوء يسود المنزل ومن الواضح أن الجميع قد خلدوا إلى النوم لذا لا يجب أن أتسبب بالإزعاج لهم.
وقف بترقب وقال بضجر شديد: ماذا الآن!
لا يجب أن ترفض هدية يقدمها الآخرين لك! كما توقف عن التفكير بردود أفعالي كما لو كانت ستجبرك على الشعور بالفضل أو الإمتنان نحوي! يحق لك أخذ تعويض مناسب بعد ما حدث لخوذتك! أين تكمن المشكلة.؟
نظر إلى السقف بنفاذ صبر قبل أن يقول بتبرم: يا الهي لماذا أنتِ مفعمة بالطاقة أكثر من اللازم اليوم! قلتُ بأنني لن أخذها لقد انتهى ال.
من فضلك! إنها مجرد تعبير بسيط عن امتناني لذا لا ترفضها. تورطتَ كذلك في شؤوني الخاصة لذا يمكنك اعتباره اعتذار إن كانت الفكرة الأولى لا تروقك.
نظرت إليه بجدية وترقب في حين حافظ على صمته للحظات قبل أن يتمتم يحدق إلى الفراغ بجفاء: لا تشعري بالإمتنان نحوي أو بالرغبة في تعويضي، لا أنتظر أي مقابل حين أقدم مساعدة أو أصحح خطأي.
جزيت على أسناني بحنق كبحته بصعوبة بالغة.
ماذا يظن نفسه فاعل!
انخفض ناظري نحو يده التي رفع بها الكيس يناولني إياه بصمت.
تحكم بي غضبي وقد أمسكتُ بيده أنظر إلى سبابته التي جُرحت وقلت بحزم: إذاً هي تعبير عن ما حدث لك قبل قليل، جرحت نفسك وتمزق قميصك بسببي! أعتقد أنني أتيتك بالكثير من الأسباب لتقبل!
اسرع ينتزع يده ولكنه تفاجأ بي أشدد على كلماتي بجدية: من الوقاحة أن ترفض هدية تم شراؤها خصيصاً لأجلك، اعتبرها هدية ودية بيننا وتوقف عن منحي شعوراً سلبياً كهذا! لن أعود إلى المتجر ولن أمنحها إلى شخص آخر ففي الواقع لا أعرف غيرك بحوزته دراجة نارية قد يستفيد منها، انتقيتها بعناية لذا اقبلها على الأقل كوسيلة لبناء المزيد من الثقة والاحترام المتبادل بيننا! أعيش في منزل عائلتك لذا لم يعد الأمر يقتصر على رغبتي في استثمار موهبتك في العمل فقط ولكننا أصدقاء على الأقل! نعمل معاً ونتناول الطعام معاً ونعيش في المكان نفسه وقد هرولنا معاً قبل قليل.!
أنهيت كلماتي السريعة الحازمة وتركت يده في حين تسمرت عيناه على قبل ان تنخفضا نحو الخوذة، أخذتُ نفساً ورسمت ابتسامة هادئة لأعود للوراء متمتمة: تُصبح على خير.
صعدت إلى الأعلى وما ان دخلت الى الغرفة واسندت ظهري على الباب حتى ابتسمت بثقة.
من واجبي أن أتصرف بلطف. ومن واجبه أن يقبل لطفي كذلك!
سأستمر في إظهار المزيد من الجوانب مني حتى أعثر على الجانب الأكثر تأثيراً!
لا أنوي منح لارز فرصة سرقة دانيال مني.
لا يتوقف الأمر عند الخوذة أو الهرولة معه فقط، بل بالبحث عن المزيد من الفرص للتقرب إليه.!، لا يوجد خطأ أرتكبه ففي الحقيقة انا أؤدي دوري في المقابل وأقوم بما اتفقت بشأنه مع السيد هاريسون.
عقدته تقف عائقاً في طريقي.
ولا يجب أن يدوم الوضع على ما هو عليه لوقت طويل.!
تحركت لأستلقي على السرير أحدق إلى السقف بشرود.
مرت لحظات أخذني فيها زحام الأفكار هنا وهناك، حتى ومضت في مخيلتي صورة سريعة رأيت فيها ضحكاته الخافتة العفوية عندما استوعب تمزق قميصه بشكل كبير من الخلف.
هذا الجانح يجيد التبسم بطريقة جذابة أيضاً!
لو كنتُ أحمل الكاميرا بحوزتي لما ترددت في التقاط صورة فورية آنذاك.
مهلاً يبدو لي مناسباً للترويج عن نظارة شمسية بينما يرتدي زي شبابي عصري! أو حتى الترويج لابتسامة هوليود لا بد وأن الدعاية ستحقق نجاحاً!، هو مناسب كذلك ليظهر في اعلان تسويقي حول.
أجفلت وقد انتزعني صوت القطط خارج النافذة من أفكاري، كان صوت عالٍ لقطين على الأغلب ويتشاجران بعنف بالغ!
استلقيت على معدتي بلا حيلة قبل أن أنظر إلى هاتفي بملل ويتسلل النوم إلي.
نظرت إلى المكان من حولي باحثة عن ريتشارد وفيونا بين المتنزهين في الأرجاء.
القيت نظرة على هاتفي أتأكد من وصولي إلى الموقع المحدد قبل أن ألمح من يقتربان نحوي، ابتسمت بتلقائية وتقدمت نحوهما لأرى فيونا التي تسرع بخطواتها نحوي بحماسها اللطيف!
كان شعرها الأشقر القصير مسدلاً وتضع قبعة رياضية بيضاء اللون على رأسها، ترتدي ملابس رياضية أنيقة قصيرة بلون أزرق سماوي وعلى ظهرها حقيبة بيضاء صغيرة، اتسعت ابتسامتي وجثيت أفرد ذراعي لأتلقى جسدها الصغير بين يداي وقد وقفت أعانقها: بطلة الباليه المتألقة! الأميرة فيونا ريتشارد بأناقتها المعتادة.!
ابتسمت بمرح وقال تضع سبابتها على الشامة الصغيرة المجاورة لعيني: عمتي كتاليا اشتقت لكِ كثيراً!
أنا أيضاً! أنظري إليكِ قد ازدتِ جمالاً فوق جمالك! كيف هو أداءك في عروض الباليه؟
أومأت بحماس: العرض السابق كان رائعاً لقد كان الجمهور كبيراً جداً! لدي عرض أخر على الاستعداد له.
أضافت فوراً: يجب أن تكوني متواجدة عمتي!
ابتسمت اربت على رأسها: سأبذل جهدي لألتقط لكِ صوراً رائعة!
عندما وقف رتشارد أمامي قلت له ممازحة: صغيرتك أصبحت نسخة مُصغرة من والدتها!
ابتسم وأومأ مؤيداً: بالفعل!
أعقب يترقب رد فعلي محافظاً على ابتسامته الهادئة: سيكون لفيونا شقيق أو شقيقة عما قريب.
اتسعت عيناي وقد غمرني السرور لأقول بتفاجؤ: زوجتك حامل! هنيئاً لكما ريتشارد، هل يعلم أبي بهذا؟ سيكون الأسعد حتماً وهو ينتظر حفيده الثاني!
نفي وقال يرفع يده يداعب وجنة فيونا: علمت بهذا في الأمس فقط بعد عودة زوجتي من العيادة، سيعلم الجميع اليوم بالأمر على طاولة العشاء.
لانت ملامحي وحدقت إليه بإمتنان.!
هل هذا يعني أنني أول من يُعلمها بالأمر؟
أطرقت برأسي قليلاً وقد انتابني الدفء الشديد لأقول: سعيدة بأنني أول من يتم اخطارها بخبر سعيد كهذا.
اعقبت أنظر إلى فيونا: ما رأيكِ؟ هل سيكون فتى لطيف أم فتاة رياضية أيضاً تشاركك العروض؟
صاحت بحماس: فتاتين توأم لتقدما معي العروض على المسرح!
ضحك ريتشارد ونفي برأسه: أيتها الجشعة!، بل عليكِ التألق على المسرح في مجالك وحدك، ماذا لو كانت فتاة تكره البالية؟ على كل حال ضعي القبعة على رأسك جيداً الشمس قوية.
تحركنا معاً نسير في المتنزه حتى وصلنا إلى ساحة الألعاب الكبيرة، جلستُ مع ريتشارد على المقعد وأمامنا فيونا التي تلعب مع باقي الصغار.
سألته بإهتمام: ماذا عن أعمالك الجديدة ريتشارد؟
اراح ذراعه الأيمن على ظهر المقعد وقال مطمئناً: أفضل مما توقعت، ماذا عنكِ؟ لقد اكتسحت صور الدعايات الترويجية أنحاء البلاد، هل لعبة رهينة القرصانة من صنيعك؟
ابتسمتُ بفخر وحماس: ما رأيك!
يالتواضعك تعرفين رأيي مسبقاً!
هل تتذكر أمر العارض الذي كُسر أنفه؟
بسبب ذلك الوغد. نعم أذكره، ما خطبه؟
وجدت شخص مؤهل جداً ليأخذ دوره في الدعاية السابقة وحازت على الكثير من الإعجاب والتقييمات العالية، كانت مجرد دعاية فقط ولكن العارض نفسه تم الاقرار من المجلة بأن يؤدي دعاية رهينة القراصنة وهذه المرة لن تكون مجرد دعاية فقط فمن المرجح أن يؤدي دور بطل اللعبة بالفعل.
عقد حاجبيه مفكراً ينظر إلى بتركيز: هو بديل لذاك إذاً! أرى صوره في كافة الأرجاء، المجلة لن تتفانى في ترك لوحة اعلانية في أي مكان إلا وتقوم باستغلالها بالفعل، هنيئاً لكِ إنها دعايات ناجحة بالفعل. بالمناسبة، أنتِ لم تري باتريك مجدداً صحيح؟ هو لم يتعرض لكِ أو يحاول الاقتراب منكِ؟ هل أنتِ بخير حقاً؟
ذلك النذل. تلك المرة رأيته عندما انفعلت وترجلت من دراجة دانيال! كانت أسوأ صدفة ممكنة وقد وجدت نفسي أعود فوراً لأجلس خلف دانيال دون تفكير. هو متواجد في كل مكان! إنه كاللعنة التي لن تُصرف إلا بحلول المعجزات!
ابتسمت له مطمئنة: لا تقلق لم أعد أراه بالفعل، أنا بخير.
نظر إلى الفراغ للحظة قبل أن يضيق عيناه ويتساءل مستذكراً: التقيتِ بأبي إذاً؟
أومأت بصمت فتنهد بعمق: يمكنني تخمين كيف حدث ذلك.
لويت شفتي بإقتضاب وإحراج: منعني من الدخول إلى مقر عملي، وجدت نفسي أُساق إليه دون جدوى من المقاومة، ولكنني اعترف انه كان ينبغي عليه ارتكاب فعلة مماثلة. تجاوزت حدودي كثيراً وقصرت في التواصل معه في الآونة الأخيرة مستمرة في التهرب منه!
تكتف بعدم رضى: بينما أكون الوحيد الذي تتواصلين معه بشكل شبه يومي! هل حقاً لا تنوين تجربة التواصل مع هانا؟
نفيت فوراً: أنوي ذلك ولكن ليس الآن. تمهل قليلاً.
هز رأسه بعدم اقتناع وتمتم: المهم الآن. هل استوعبت كلمات أبي جيداً؟ هل تدركين ما يحاول قوله لكِ؟
أخفضت رأسي مفكرة بقلق قبل أن أنظر إليه بتشتت: لا أدري ما الذي يفكر فيه ولكنني أثق به، يبدو لي أنه يوجد أمر أكبر بكثير مما ظننت! لا أعلم ما الذي كان يشير إليه ولكن. ريتشارد ما الذي تخفونه تحديداً؟ لماذا هو حريص ألا أمنح ثقتي إلى أي شخص دون استثناء؟ هل هذا يعني. أن باتريك ليس وحده من يشكل أزمة بالنسبة لي!؟
نظر إلى فيونا بهدوء يتأملها وهو يقول بهدوء: أنصتي إلى ما يمليه عليكِ وثقي به جيداً، هو محق. الثقة لا تُمنح إلى أي شخص!
أعقب ينظر إلى بتركيز: أحياناً تصفعكِ الحياة بقوة وترغمك على استيعاب أن أكثر الأشخاص الذين قمتِ باستباعدهم من دائرة الشكوك هم في الواقع محور قضية الخيانة، تذكري هذا جيداً.
عقدت حاجباي أحدق إليه بإرتياب وقد ازدردت ريقي بصعوبة!
خرجت الكلمات من فمي بصوت متهدج: ما الذي. تخفونه بحق الإله! لماذا لا حق لي في فهم ما يحدث حولي؟
الوقت المناسب له الحق في اختيار اللحظة التي ستعلمين فيها كل شيء، عدى ذلك فكوني حذرة وحسب.
ولماذا لا تتحدثان بصراحة وحسب! إن كان هناك شخص على الحذر منه فصرحا بإسمه! المسألة بسيطة جداً فلماذا كل هذا الغموض؟
ابتسم بضمور: ليست بسيطة. قد تكون معقدة أكثر مما تتخيلين.
زميت شفتي بعدم رضى وتكتفت بقوة أشيح بوجهي.
هذه التحذيرات مجدداً!
لماذا كل هذا الغموض؟ كيف من المفترض أن أحذر من شخص لا أعرف من يكون أو لماذا؟ ثم لماذا يوجد عِلة أخرى غير باتريك الوغد!
زفرت بعدم ارتياح وقد انتابني الإنزعاج الشديد.
كان ريتشارد يحمل فيونا فوق كتفيه ليساعدها على النظر إلى العرض الذي تقدمه مجموعة راقصة من الشبان في المتنزه يؤدون عرضاً عصرياً شبابياً. المكان مكتظ ومع ذلك كانت رؤيتهم أمر ممتع بالفعل، نظرت إلى فيونا المفعمة بالحمس وقد شعرت بمدى افتقاد الأجواء العائلية المماثلة.!
لقد تخليت عن الكثير منذ اللحظة التي تركت فيها المنزل! تخليت عن الكثير مقابل أن أحاول ترميم كل ما قمت بإفساده، لا أحد سيتقبل عودتي الآن! لا أنا ولا هم على استعداد للنظر إلى وجهي مجدداً، فكلمات عمتي وباقي أعمامي كانت مسمومة إلى حد قاتل. وكلمات عائلة أمي كانت أسوأ ما تهاوى على مسماعي.
لُقبت بأسوأ الكلمات جراء أفعالي المتهورة المثيرة للغثيان وكل ما جلبته لهم من خزي ومصائب.
فاسدة لاهثة خلف فقير مبتز ومحتال
لم تتوقف عمتي عن نعتي بذلك منذ أن كشر باتريك عن أنيابه ودوافعه الحقيقية! لا يمكنني لومها على انفعالاتها وشعورها بالإزدراء نحوي.
دللها آرثر حتى أفسدها تماماً، لطالما كانت تحصل على ما تريده وها هي النتيجة ذا.
كان هذا ما يتفوه به عمي الذي يكبُر أبي بخمسة أعوام في الاجتماعات العائلية أمام الجميع. وقد كان محقاً! لم يرفض أبي لي طلباً يوماً، كنت الفتاة الأصغر المدللة التي قامت بكسرهِ وتخييب أمله!
الشخص الوحيد الذي كان الأكثر لطفاً وتفهماً ويحاول دائماً تهدئة الوضع هو عمي دونافان الذي تبنى لارز.
عمي هذا يصغر أبي بثلاثة أعوام، كان محروماً لسنوات طويلة هو وزوجته العاقر التي حاولت جاهدة انجاب طفل يؤنسهما، إلا أنه تزوجها عن حب و ود حقيقي لذا لم يكن مستعداً للتخلي عنها وعوضاً عن ذلك تبنى لارز.
الذي عاش حتى عمر الثانية عشر في ملجأ الأيتام.
أجفلت ليد حانية قد ربتت على رأسي! نظرت إلى ريتشارد الذي يحدق إلى بتمعن وهو يسألني بكلتا عينيه عن ما ان كان هناك خطب ما بي! لا أدري أي نوع من التعابير كان يعلو وجهي ولكن لابد وأنه كان مريعاً جداً.
تعبيراً. مريعا مؤذي للعين؟
بطريقة ما خطر على بالي رد فعل دانيال في ذلك اليوم في الحافلة.
رسمت ابتسامة هادئة ونفيت له برأسي مطمئنة: شردت بذهني قليلاً وحسب.
أمضينا الوقت في التنزه وتناولنا المثلجات ثم الباستا الإيطالية ووقفنا مجدداً ننظر إلى أحد العروض لألعاب الخفة قبل أن أرافقه حيث سيارته.
سألني بعدم اقتناع: لماذا! دعيني أوصلكِ في طريقي أنا متفرغ على أي حال!
ربت على ظهره ودفعته برفق: ها أنت ذا مجدداً، لا داعي لذلك لازلت أريد التسوق وسأتمشى في الأرجاء قليلاً، لا تقلق بشأني خذ أميرتك الصغيرة التي تبدو منهكة.
وقف كلانا بجانب سيارته لتقول فيونا: عمتي رافقينا إلى المنزل!
ابتسمت لها بهدوء ونظرت إلى يميني حيث كان هناك بعض العمال الذين يقومون بتصليح أحد أعمدة الكهرباء على الرصيف بجانبنا، ثم أعدت ناظري إليها وقلت أغمز لها بثقة: دعينا حالياً نركز على أهمية حضوري لرؤية العرض المذهل الذي ستقدمينه، اتفقنا؟
طرفت بعينيها ببراءة وقد ومضتا ببريق بندقي حازم: يجب أن تكوني في الصف الأول! أبي عليك أن تحجز لها مقعداً في الصف الأمامي.
أومأ لها بلطف: سأفعل. تألقي بالعرض الذي تقدميه حسناً؟
سأفعل!
رفعت يدي اداعب شعرها وقلت: هيا رافقي والدك لدي وجهة أخرى على الذهاب إليها.
فتح ريتشارد الباب لها فدخلت وجلست على المقعد الأمامي تنتظره، أغلق الباب ونظر إلى مبتسماً بهدوء: اعتني بنفسك جيداً، إياكِ وتجاهل اتصالاتي او رسائلي مجدداً، واثقة أنكِ لا تحتاجين إلى توصيلة سريعة؟
لا بأس سأكمل طريقي من هناك إلى محطة الحافلات فلدي الكثير لأقوم به.
أنا مضطرة للمراوغة والكذب. أشعر بالخجل من ريتشارد لرؤية ردة فعله الحقيقية ان علم أنني أتشارك المنزل مع عائلة السيد هاريسون المؤلفة من الرجال فقط! سيغضب حتماً. مهلاً هو لا يبدو أنه يعلم بالأمر بعد.
سيعلم عاجلاً أم آجلاً إذاً.
أنا. لماذا أحدق إلى السماء فوقي مباشرة!؟
أشعر بالألم في ظهري!
لقد. تم دفعي بقوة للوراء على حين غرة!
طرفت بعيني بذهول ولم يستغرق الأمر مني وقتاً حتى استوعبت الأمر أنصت إلى صوت العمال الذين اقتربوا من موقعنا والقلق في صوتهم ووجوههم جميعهم! جلست فوراً لأعتدل على الأرض قبل أن ادرك أن ريتشارد من دفعني يبعدني عن البقعة التي كنت أقف عليها!
كان يجثو على ركبتيه واضعاً يده على جبينه ويغمض عينيه بقوة!
فغرت فمي بعدم تصديق أحدق إلى الدماء التي سالت من بين أصابعه ولم تكن سوى ثواني فقط حتى تلطخ وجهه بالدماء! انتابني الفزع واقتربت فوراً لأصرخ: ريتشارد! يا الهي هل أنت بخير! ريتشارد لنذهب إلى المشفى حالاً!
تطوع أحد العمال وقال بقلق وتوتر: إنه خطأنا لم نقصد! من فضلك يا سيد دعنا نوصلك إلى المشفى، انتظر سنوقف سيارة أجرة حالاً.
ركض العامل بينما وقف الثلاثة الآخرين وأحدهما قد أسند ريتشارد يربت على ظهره: دعني أرى! يا الهي نحن آسفين حقاً!
تقوست شفتاي بتلقائية وتسارعت خفقات قلبي أضع يدي على يد ريتشارد وقلت مطمئنة: ريتشارد ما الذي تشعر به؟ ابقى يقظاً سنذهب الآن إلى المشفى!
أعقبت أقول للعامل بعصبية وخوف: أخبر زميلك لا داعي لسيارة أجرة سأقود سيارة أخي بنفسي، فقط ساعدني واحمله إلى السيارة!
أومأ فوراً واسند هو ورفيقه ريتشارد الذي انزل يده عن جبينه لأتفاجأ بالجرح الذي شجّ أعلى جبينه جهة اليسار ولم تتوقف الدماء عن تلويث وجهه حتى سالت نحو عنقه!
أجفلت لبكاء وصراخ فيونا التي فتحت الباب تحدق إلى والدها بذعر فطمئنتها وقد نالت أعصابي التالفة مني لأقول لها بعصبية: ابقي في السيارة فيونا!
أومأت بإرتياب وتعالت شهقات بكاءها القلقة على والدها وهي تقول والدموع الغزيرة تجري على وجنتيها: أبي.!
تحركت بأعصاب منهكة وجسد مخدر لأدخل إلى الغرفة بعد أن أخبرتني الممرضة أن ريتشارد قادر على الخروج بعد تعقيم وخياطة جرحه.
وجدته يجلس على السرير شاحب الوجه ويطرف ببطء، انتابني الضيق الشديد وقد وقفت أحدق إليه بصمت، ما ان انتبه لي حتى ابتسم بهدوء وسألني: هل غادرت فيونا؟
أومأتُ أقترب منه: استمرت في البكاء حتى نامت منهكة، أتت خادمة برفقة سائق المنزل كما أوصيتَ تماماً.
نظرت إلى الشاش حول رأسه وعاتبته بينما أضربه على كتفه بخفة لأنهره بحنق: لماذا فعلت هذا! حتى لو كانت معداتهم على وشك تهشيم جمجمتي لم يكن عليك تعريض نفسك للخطر أيها المتهور الأحمق! ماذا لو كان الوضع أسوأ مما هو الآن؟ اؤلئك العمال كيف يكونون بهذا الاهمال لا يجب ان اتجاوز ما قامو به! قال الطبيب أنه جرح عميق وستحتاج لاحقاً إلى.
قاطعني مهدئاً وقد أمسك بيمناي: أنا بخير كات، كانت مجرد حادثة عرضية اهدئي! ثم كفاك سخفاً لا يمكن أنني سأقف مكتوف الأيدي وشقيقتي الصغرى على وشك التعرض للأذى! انتِ بخير صحيح؟ هل دفعتك بقوة؟
عقدت حاجباي بإستياء: انا بخير ولكنك لست كذلك لقد نزفت كثيرا. قال الطبيب انه من الضروري ان ترتاح وتعوض الدماء التي فقدتها.
ابتسم بهدوء وربت على كتفي بخفة: سأفعل.
اضاف ممازحا في محاولة منه لتغيير الموضوع وكسر الجمود والارتياب: مضى وقت طويل منذ اخر مرة قدتِ فيها سيارة ولكنك قدت اليوم أفضل من رجل سباق حصل على المركز الاول في المضمار! بحق الاله خشيت الموت في السيارة قبل الوصول الى المشفى.
لويت شفتي ممتعضة قبل ان ابتسم بلا حيلة: ستصلك مخالفة او اثنين على الاقل، قم بتسديدها لاحقاً.
نظر كلانا حيث الباب الذي فُتح وقد اتسعت عيناي أنظر إلى من دخل يحدق إلينا بتركيز وتمعن بملامح جامدة بشدة!
تقدم نحونا وكذلك اقتربت منه مندفعة: أبي!
نظر إلى بهدوء وقبل أن يتفوه بكلمة وجدت نفسي أقلّص المسافة أكثر وتحكمت بي مشاعري لأعانقه بائسة أسند رأسي على صدره.
طالما رجاله في الأرجاء فمن الطبيعي ان يعلم بما حدث ويأتي بنفسه.!
شعرت بيده تربت على رأسي مطمئناً بينما يقول: أنتَ بخير ريتشارد؟
أبقيت رأسي على صدر أبي وتمسكت به حتى تفاجأت به يضمني إليه بقوة أكبر!
نظرت إلى الفراغ دون أن أتحرك أو أنبس أستشعر دفئاً يغلفني من كل جهة ارغم خفقات قلبي على الاستقرار جراء الطمأنينة التي اجتاحتني.
قال ريتشارد بهدوء: لا بأس أبي، أنا بخير.
حينها علقت بدوري: حدث هذا بسببي!، أبي فيونا تبدو فزعة جداً عليكم أن تحرصوا على الاطمئنان عليها.
قال بجدية: سأحرص أن تكون بخير، وأنت ريتشارد عليك أن ترتاح.
أردف يحدثني وقد استقرت يده على وجنتي يرفع رأسي نحوه بهدوء: السائق في انتظارك عند المدخل، لا يوجد ما تفعلينه هنا، سأصحب ريتشارد إلى المنزل بدوري لذا يمكنكِ المغادرة الآن.
عقدت حاجباي: سأتصل لأطمئن لاحقاً، لقد نزف كثيراً و.
تنهد ريتشارد وقاطعني بلا حيلة: أخبرتكِ أنني بخير لا داعي للقلق كات، عليكِ أن تغادري أنتِ أيضاً، ملابسك متسخة وملطخة بالدماء لذا تحركي.
زميت شفتي ونظرت إلى أبي ثم نحو ريتشارد وأومأتُ بفهم وانصياع.
تركتهما لأخرج من الغرفة أخذ شهيقاً عميقاً واسندت ظهري على الباب لثواني قبل أن أتحرك.
أرجو أن يكون بخير حقاً.
أشعر بالسوء والضيق لما حلّ به بسببي، كان رأسي ليتهشم بلا شك لولم يتدخل في اللحظة الأخيرة!، شعوري يفوق الإمتنان أو حتى الإنزعاج.
ولكن.
لماذا يبدو أبي هادئاً جداً؟
وقفت في مكاني بإستنكار حين لمحت من يقف يسند ظهره على الحائط في ممر المشفى ببدلته السوداء يرمقني بنظرات عابثة بكلتا عينيه البنية الداكنة، رفعت طرف شفتي وأكملت طريقي لأسمع تعليقه: الدماء تلوث ملابسك يا آنسة، هل نأخذك إلى أحد المتاجر القريبة أولاً؟ من المحزن رؤية الزهرة الجميلة ملطخة بالدماء.
تمتمت بجفاء وقد توقفت أرمقه شزراً: هذا أنت مجدداً، لا تخبرني أن أبي كلّفك أنت من بين الجميع بمهمة إيصالي؟
ابتسم بعبثه المزعج: أولستُ مناسباً يا ترى؟
قلّبت عيناي بإنزعاج شديد لأتجاهله، أكملت طريقي فتبعني وقال: يعلق السيد آرثر آمالاه على لذا سأحرص على أن أفي بتوقعاته. السيارة هناك اتبعيني.
علقت بحزم: لن أذهب معك! سأعود بسيارة أجرة.
هذا الرجل.
كيف يُعين أبي شخص مثله!
عندما خرجت من المشفى وجدت عند المدخل سيارة خمنت أنها لأبي، وما أن اقتربت من بوابة مخرج المشفى حتى ترجل منها السائق الخاص بأبي فوقفت في مكاني وقد ارتخت ملامحي لأقول بحيرة: سيد آرون!
ابتسم لي بهدوء فبرزت التجاعيد حول عينيه التي استقرت خلف نظارته ليقول لي بصوته المبحوح: آنسة كتاليا، مضى وقت طويل.
تأملته بتمعن أحدق في كل تفاصيل ملامحه، ولا أنكر أن الحنين قد انتابني وقد كان آرون السائق الخاصة بالعائلة منذ زمن بعيد جداً! كان ولا زال المرافق الأقرب إلى أبي. رجل رزين يُعتمد عليه ومن السهل الوثوق به، ابتسمت له وأومأت: مضى وقت طويل بالفعل.
دعيني أوصلكِ كما أوصاني والدك، تفضلي.
تحرك ليفتح باب السيارة الخلفي، لم أستطع رفضه وقد وجدت نفسي أتحرك كذلك لأجلس في المقعد الخلفي رغم ترددي.
كتمت غيظي بصعوبة حين تحرك هذا الشاب المزعج ليجلس بجانبي في المقعد المجاور وقد همست بإشمئزاز أنظر إلى النافذة متكتفة بينما بدء السيد آرون في القيادة: أفضل العودة مشياً على الأقدام ملطخة الملابس عوضاً عن الجلوس في السيارة نفسها مع شخص مثلك. قبلتُ لطف السيد آرون وحسب!
تنهد بيأس وتمتم بحزن: قاسية جداً!
لويت شفتي بإمتعاض ورمقته بطرف عيني قبل أن أعيد ناظري إلى النافذة فقال بسخرية: تبدين صعبة الإرضاء! هل ازعجتك كلماتي في لقاءنا الأول؟ حسناً أنا أعتذر.
تجاهلته وبقيت أحدق عبر النافذة.
ساد الصمت في السيارة تماماً، بدأت أعصابي تسترخي شيئاً فشيئاً رغم صورة ريتشارد العالقة في ذهني.
انتابني هاجس غريب لأعين تحدق إلى فنظرت إلى جانبي بتلقائية.
وكما توقعت وجدت كلتا عيناه تحدق إلى بتمعن بينما يرخى مرفقه على مسند الباب، ابتسم لي بثقة ومكر وغمز ليهمس: هل نجحت خطة التخاطر الخاصة بي؟ ناديتك مرارا وتكرارا في ذهني!
ضيقت عيناي أركز النظر إليه قبل أن أتمتم بجفاء: لما لا تلتزم الصمت وحسب؟
ابتسم بشيء من المرح وقد انزعجت من استمرار عينيه في تأمل ملامحي بتركيز حتى قال بصوت خافت: أي نوع من النساء أنتِ يا ترى.!
أجبته بجمود: امرأة لن تتردد في نعتك بأقبح الكلمات لذا من الأفضل ان تدرك مكانتك وتتفادى أي مشكلة قد أتسبب فيها لك.
أعقبت بسخرية أرمقه بتحذير جاد: لا تستفزني بتصرفاتك، جانبي السيء مريع و سريع التحرر حقاً.
كما لو استمتع بكلماتي أكثر وقد ارتخت ملامحه وأومأ يقول بفضول: يبدو جانبك السيء مثيراً للإهتمام بالفعل.
جادلته بحدة: ما خطب عقلك تحديداً!
أنا أحاول ملاطفتك يا آنسة لئلا ينتابك الملل!
صمتك سيكون معروفاً تسديه لي لذا اطبق فمك وحسب!
ابتسم بلا حيلة قبل ان يتكتف وتمتم بحزن زائف: كم أنتِ حادة الطباع.
زفرت بإنزعاج ونظرت عبر نافذتي بغيظ، ولم تكن سوى ثواني فقط حتى تسمرت في مكاني بدهشة وقد انتابني الإرتياب الشديد أنصت إلى صوته الذي كان قريباً جداً من أذني: ربما جانبك السيء يكون ملفتاً بالفعل.
هذا الوقح!
كيف يجرؤ؟
حركت رأسي وكما توقعت كان وجهه قريباً مني جداً!
اتسعت عينيه يحدق إلى بصمت فور ان دوى صوت الصفعة في السيارة.!
شعرت بالحرارة تتصاعد في صدري جراء القهر والغضب وقد جزيت على أسناني لأهمس: أيها العابث. لا يجب أن يكون نكرة مثلك بجوار أبي الذي يحاول ائتمانك على أفراد عائلته!
أوقف السيد آرون السيارة في الإشارة واستدار إلينا ليقول بجدية وحزم: توقف عن أفعالك الغير مهذبة وابتعد عن الآنسة حالاً.
في حين بقيت عينيه الداكنة تحدق إلى مطولاً، بدأت ملامحه تتغير قليلاً ليحل تعبيراً أشبه بالجدية المترعة بالعناد على وجهه، حتى تحرك ثغره ليهمس دون أن يبتعد: أريد رؤيته. جانبك السيء!
عقدت حاجباي بإرتياب واستنكار شديد ليردف وقد لان جفنيه ببرود: الجانب السيء الملفت. أشعر بالفضول تجاهه حقاً!
أخبرتك أن تبتعد! سأتصل بالسيد آرثر حالاً!
نهره السيد آرون في حين بقي يحدق إلى وبادلته النظرات بعدم فهم واضطراب نتيجة الارتياب الذي ينتابني! ما خطب هذا الرجل بحق الإله؟
ما الذي.
يسيّره لهذه الحماقات؟
ومن يظن نفسه!
ابتعد ببطء وقد رفع يده على وجنته يتحسسها معترضاً بألم بصوت عالي: ولكنني ضحية هنا سيد آرون! لقد صفعتني دون تردد رغم نواياي الحسنة!
أكمل يتذمر بلا حيلة ويأس: لا بأس، يمكنني تخطي الأمر. أميل إلى مسامحة النساء بسرعة بالفعل!
أعقب بغمز لي بعبث: ولاسيما الجريئات منهن.
نظرت إلى الإشارة التي نقف فيها ولم أتردد في فتح الباب لأنزل، ترجلت من السيارة بجمود ففتح السيد آرون نافذته فورا يناديني بتوتر وقلق قبل ان اتحرك: مهلاً آنسة كتاليا إلى أين تذهبين؟ دعيني أوصلك وإلا غضب السيد آرثر! على ان أتأكد من وصولك بأمان.
أغلقت الباب بجفاء واقتربت من النافذة المفتوحة لأقول بهدوء: سأكون بخير لا تقلق، سأعلم أبي برسالة فور وصولي، أفضل العودة على كلتا قدماي بدلاً من الجلوس بجانب هذا الشيء.
نفي برأسه معترضاً ومحاولاً اقناعي بإهتمام واندفاع: تجاهليه من فضلك آنسة كتاليا، من الصعب أن يقوّم تصرفاته ولكنه سيوبخ بشدة على أفعاله أعدكِ بهذا، والآن تفضلي و.
نفيت برأسي وقلتُ لأبتعد عن السيارة: إلى اللقاء.
عاود ينادي باسمي بقلق وما ان أشارت الإشارة إلى اللون الأخضر حتى توتر واضطر للتحرك بعد ان تعالى صوت السيارات الغاضبة من وقوفه.
وحين انتبهت لنظرات الناس المرتابة من حولي تذكرت أمر دماء ريتشارد التي تغطي جزءاً كبيراً من ملابسي، وبدلاً من الشعور بالقلق تجاه نظراتهم الموجهة إلى انتابني اليأس وقد ضاق صدري مجدداً عاجزة عن التوقف عن لوم نفسي لما حلّ به. أتمنى ان يلتئم جرحه بسرعة، لقد كان كبيراً عميقاً وسيترك أثراً.
نزف كثيراً حتى شحب وجهه وكاد يفقد وعيه، ليست المرة الأولى التي يؤذي فيها نفسه لأجلي.
حدث ذلك ذات مرة عندما كنت لا أزال في الخامسة عشر من عمري، في ذلك الوقت كانت هانا تحتفل بيوم ميلادها عندما مالت إحدى الإضاءات الكبيرة التي تم تجهيزها مسبقاً للتصوير أثناء الاحتفال وقد أوشكت على تحطيم جسدي، لولا أنه دفعني آنذاك بقوة وحاول ان يبتعد كذلك لولا ان وقعت الاضاءة على جانب ظهره وكتفه وأصيب بشدة.
ابتسمت بضمور احتضن نفسي.
أنا حقاً.
محظوظة بوجوده إلى جانبي.
كارل:.
دخلتُ امسك بأكياس المشتريات ومعي لاري الذي يحمل كيس واحد معه وقد صعد مسرعاً للأعلى ليلحق ببرنامجه المفضل الذي سيتم عرضه الان وقد كان عجولا متوترا يطالبني بألا نتأخر!
متى ستنتهي علاقته الوطيدة بعالم الحشرات يا ترى؟
ابتسمت بلا حيلة واكملت طريقي، نظرت الى دانيال المنهمك في العمل مع احد الزبائن، القى على نظرة سريعة وعاد يحدق الى ما يقوم به واضعا سماعته في اذنه.
رأيت أبي يرتشف من زجاجة الماء الصغيرة وقال بهدوء: تولى امر الزبون الاخر دانيال.
قلت له نافيا: لا يسمعك أبي، هو يرتدي السماعة، لا بأس سأخبره.
اومأ وصعد للاعلى فاقتربت من دانيال وضربت ظهره منبهاً قبل ان انزع السماعة اليسرى وقلت: اخبرتك مسبقا الا تضع السماعة عندما يكون ابي معك! كن شاكرا ان مزاجه جيد.
عقد حاجبيه باستغراب: ماذا؟
يخبرك ان تتولى امر الزبون الآخر.
نظر الى الزبون الذي ينتظر دوره وقد بدى دانيال منزعجاً، تفاجأت بالزبون يقول باضطراب: ا. انا. يمكنني الرحيل ان كنتَ مشغولاً الان!
ابتسمت له بأسى في حين قال له بحدة: اجلس سيحين دورك!
نهرته بصوت خافت: ما خطبك بحق الاله كن اكثر لطفاً.!
رمقني ممتعضاً: اصمت كارل مزاجي سيء جداً.! لماذا تقوم انت وكيفين بالتصرف بلؤم عندما يحين دوري في غسيل الملابس؟ في الايام الاخرى يرتدي كل منكما ملابسه بآلية طبيعية وما ان يحين دوري يصبح كلاكما عارض ازياء لا تتوقفا عن تبديل الثياب حتى تتقيأ سلة الملابس ما بداخلها.!
اعترضت بعدم رضى: هذا ما تقوله الآن! لماذا لا اعترض انا حين تبالغ في استخدام الاطباق وتتناول اضعاف مضاعفة من الطعام حين تعلم انني من سيقوم بغسل الاطباق؟
نظر كلانا الى الباب الذي فُتح بقوة!
دخل كيفين وقد كان يلهث متكئاً على ركبته بتعب.
سأله دانيال بتبرم: من الذي تهرب منه الآن.؟
في حين خمنتُ بخيبة: تلك الجماعة مجدداً؟
اومأ وهو يستقيم يلتقط انفاسه، عدل نظارته يدفعها بسبابته وقال: تيدي الاحمق ورفاقه لن يتوقفوا عن تصرفاتهم الصبيانية! لا يمكنني الخروج للتنفس قليلا انهم في كل مكان.
ابتسم دانيال بسخرية: موضوع تلك الفتاة مجدداً؟
تجهم وجه كيفين: طلبت مني مساعدتها على التحضير للدروس الصيفية المكثفة جراء تدني مستواها الدراسي ولكنني رفضت، علم تيدي وجن جنونه معترضا بحجة انني قمت بجرح مشاعرها.!
رفعت كتفاي بلا حيلة بينما علق دانيال باستغراب: دروس صيفية؟ هل هي بهذا المستوى من الغباء؟
رمقته بحدة ولوم فامتعض بجفاء: ماذا.!
نفيت برأسي: فمك عاجز عن وزن حروفه بلا شك.!
اعقبت انوي الصعود بالاكياس: أنت لا تتردد في الدفاع عن كيفين حين تحاول تلك الجماعة الجانحة ازعاجه في حين انكَ الأكثر ابداعاً! اخبرك مجدداً. كُن الطف ولو قليلاً.
علق بسخرية: فرّق بين التنمر والانتقاد كارل.!
تجاهلته واستكملت الصعود وقد القيت نظرة سريعة على باب المحل الذي فُتح ليدخل زبون آخر.
تسمرت في مكاني للحظة واستدرت مجدداً.
ليس زبوناً.
الانسة كتاليا.
وقفت بِعدم استيعاب اضيق عيناي بتركيز قبل ان استوعب تلطخ ملابسها بالبقع الحمراء!
تركت الاكياس على الدرج ونزلت فوراً، وقد تفاجأت بدان الذي ترك ما في يده واندفع مقترباً منها ليقف مواجهاً قبل ان يتساءل بصوت متهدج: ما الذي حدث لكِ؟ أين أصبتِ!
تعجب كيفين مستنكرا ونظر إلينا بعدم استيعاب قبل ان يعقد حاجبيه بتركيز: هذه دماؤكِ أنتِ؟
تبدو شاحبة متضايقة بوضوح شديد!
بحق الإله ما الذي حدث!
بدى الزبونين فضوليان كذلك ولكنهما التزما الصمت وحدق كل منهما الى هاتفه.
فغرت فمي قليلا ارى دانيال يقلص المسافة اكثر وبدى منفعلا غريبا وهو يسألها بحزم: تحدثي أين جُرحتِ؟ انتِ بخير؟ لا تبدين كذلك!
انتابتني حيرة شديدة اتأمل يده اليمنى التي رفعها كما لو كان ينوي تحسس عنقها الملطخ! بل اتسعت عيناي أحدق إلى التعبير اليائس الحانق على وجهه وقد أنزل يده بسرعة وأخفض من صوته بحنق وجفاء: مَن فعل هذا؟
طرفت بعينيها الرمادية تنظر اليه باستغراب بعض الشيء قبل ان تقول: ليست دمائي. انا على ما يرام. لم أصاب بأي اذى.
تنهد كيفين وكذلك انتابتني الراحة في حين أصرّ دانيال يسألها باضطراب: إن كنتِ مصابة ولو بخدش صغير فلا يوجد أي مبرر لتخفي الأمر! هل حقاً لم يصبكِ أي أذى؟
أومأت له مؤكدة فارتخى كتفيه ورفع يده يضعها على عنقه قبل ان يقول عاقداً حاجبيه: واثقة؟
نعم.
اخفض رأسه وتنفس الصعداء يضع يمناه على خصره وقال: جيد! ما الذي تورطتِ فيه تحديداً؟ واثقة أنكِ لا تحتاجين إلى المساعدة؟ إن لم تكن دماءك فلماذا وجهك شاحب جداً! ما الذي حدث؟
أخفضت عينيها تمسك مرفقها الأيسر بيدها اليمنى وبدى العبوس واضحاً على ملامحها رغم الابتسامة المضمرة التي رسمتها كما لو تحدث نفسها بعدم وعي: أصيب بسببي. نزف ريتشارد كثيراً! لم يتردد في مساعدتي ولم يفكر فيه نفسه للحظة.
عقدت حاجباي بعدم فهم ولكن لفت انتباهي تجهم وجه دانيال فجأة وقد رمقها بنظرة جافة قبل أن يتراجع للوراء ويعود حيث الزبون دون مقدمات.
استنكرت جفاءه المفاجئ وقد استكمل عمله في حين بادرت بنفسي أحدثها وأستوضح الأمر: ما الذي تقصدينه آنسة كتاليا؟ مساعدتك بشأن ماذا؟
نفيت برأسها بتشتت قبل أن تنظر إلى تأخذ نفساً مرتجفاً وتسألني بإندفاع مقتربة بضع خطوات: حدث ذلك فجأة، كادت معدات ثقيلة تهشم رأسي لولا أن تدخل ريتشارد في آخر لحظة! كارل لديك خبرة في الطب حتى وإن كان مجالك هو الطب البيطري ولكن لا بد وأنك تعلم على الأقل! لقد شج رأسه وتم خياطة جرحه، كان يبدو شاحباً وقد نزف كثيراً! هل سيكون بخير حقاً؟ قال الطبيب أنه بحاجة إلى الراحة وتعويض الدماء التي فقدها! هل هذا كل شيء باعتقادك؟
أعقبت بقلق: سيكون بخير اليس كذلك؟
تراجعت خطوة للوراء ونويت أن أطمئنها لأجيب على تساؤلاتها المندفعة ولكنني توقفت أنصت إلى الكلمات الساخرة ذات النبرة الباردة المتهكمة.
مجرد جرح في جبينه وقد تم خياطته فهل سيموت جراء ذلك مثلاً! ان كان كذلك فربما تواعدين رجل ذو جمجمة أنعم وأقل سمكاً من جمجمتك المتحجرة في رأسكِ!
نظرنا حيث دانيال الذي القى بتعليقه هذا واستكمل عمله بل وأضاف مبتسماً بإستهزاء يحدق إلى شعر الزبون يستصغر الوضع بشدة: وحتى لو نزف الكثير فما الذي يعنيه هذا؟ هل يحوي جسده لتراً فقط من الدماء؟
نهرته بحزم: ما خطبك بحق الإله! تبدو قلقة وتهتم بشأن ذلك الرجل فلماذا تسخر من مشاعرها و تنظر إلى الأمور بهذه الطريقة؟ لا حق لكَ في السخرية من وضعه طالما لم تشهد ما حدث أو تمر فيما مرّ فيه!
رمقني بجفاء قبل أن يتجاوز قولي في حين سمعتها تردد بإستنكار واضح: أواعده؟ مهلاً! أنت ما الذي تقوله؟ أنا أواعد ريتشارد!؟ من أين لكَ بهذا بحق الإله؟
لم يكلف نفسه عناء النظر إليها او ان يرفع عينيه عن شعر الزبون الذي بدى متوتراً من كونه شاهداً على حواراً مماثلاً، وقد كنت محقاً إذ وقف الزبون الآخر الذي ينتظر دوره وبدى وكأنه ينوي الإنسحاب ليخرج وقد فعل ذلك فعلاً بهدوء.! لولا أن أجفل لصوت دانيال الذي قال له قبل ان يخرج من الباب: إلى أين تذهب!
انتفض في مكانه وقال على عجالة: وردني اتصال عاجل على الذهاب حالاً، إلى اللقاء.
خرج الرجل مسرعاً وأغلق الباب خلفه فساد الصمت المكان للحظات قليلة تلاها قوله بجفاء: انتهيت.
وقف الزبون ودفع المال بينما وقفت الآنسة كتاليا تحدق إلى دانيال بحزم، تحرك كيفين ونفي برأسه هامساً: لا يمكنني فهم ما يحدث الآن، سأصعد لأرتاح.
أومأت له مربتاً على كتفه فصعد بخطوات واسعة، استدرت كذلك لأصعد لولا أن سمعتها تستوقفني لتسألني: مهلاً كارل، ما الذي يقوله أخاك الذي يتظاهر بأنه لا يسمعني؟
نظرت إليها ثم إليه لأراه يرتب المكان وينظف الكرسي قبل أن أتنهد بلا حيلة: أنا حقاً لا أدري ما الذي يقوله! دان توقف عن تجاهلها ما خطبك تحديداً!
تدخلت وقالت بإنزعاج: من أين لك بمسألة مواعدتي لريتشارد؟ من أين سمعت بهذا!
ابتسم بسخرية دون أن يرفع عينيه عن الكرسي الذي ينظفه: أنت دافئ جداً ريتشارد! ومن سيتفوه بهذا؟ أنا؟ أبي؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم وتقدمت نحوه لتسأله: متى قلتُ هذا! وما الخطأ في سماع أمر مماثل؟ نعم ريتشارد مهم بالنسبة لي ما المشكلة في أن أتفوه بهذا؟
لا يوجد أي مشكلة ومن قال عكس هذا!
هل خمنت أنني أواعده؟ هل هذا اجتهادك الشخصي في التحليل؟
قالت كلماتها الأخيرة هازئة وقد ابتسمت بسخرية تعيد خصلات شعرها خلف أذنها قبل أن تقول بإشمئزاز: إياك والتحدث بالسوء عنه لأي سبب من الأسباب، لا شأن لك في جمجمته أو في كمية الدماء التي نزفها، تطاولك على أخي يعني تطاولك عليّ شخصياً.!
ريتشارد يكون أخاها إذاً!
من أين أتى دان بتلك الأفكار الغريبة حول مواعدتها إياه؟ هذا الأحمق هل فكر أكثر من اللازم؟ وحتى لو فعل ذلك فلماذا يجهد نفسه مفكراً بشأن المدعو ريتشارد!
دانيال لا يمكن أنه. يهتم بشأن الآنسة كتاليا وبدأ يركز على تفاصيل. تهمه؟
طرفت بعيني ببلاهة أحدق إلى تعبيره الخالي من الإستيعاب وهو ينظر إليها مردداً: أخاكِ؟
لوت شفتها بقهر واضح وهي تقول بحدة: الم أقل هذا للتو؟
ثم تحركت بخطى عصبية تتجه إلى الدرج متذمرة: أنتَ بالفعل مستفز إلى درجة يصعب استيعابها!
صعدت الدرج ولم تتوقف عن التذمر بصوت خافت، أعدت ناظري إلى دانيال لأراه يحدق إلى الدرج حيئث اختفت قبل أن يسند جذعه نحو ظهر الكرسي وتكتف متمتماً: لقد قفزت باستنتاجي بعيداً جداً عن الواقع!
اقتربت منه بجدية: أنت. ما خطبك؟
نفي برأسه فوراً: لا شيء!
ثم سرعان ما لانت ملامحه قليلاً ونظر بعينيه الزمردية إلى الدرج يضيقهما بتفكير قبل ان يقول: كانت قلقة بشأن أخاها فقط.!
أعاد نظره إلى وقال يتنهد بعمق: تماديتُ بكلماتي بالفعل!
أومأت بملل: جيد أنكَ استوعبت هذا.!، اعتذر عن سخاقة قولك وسوء تصرفك أمام شخص منهك ويعتريه القلق.
تجاهل كلماتي وبدى غارقاً في أفكاره قبل أن يبعد ظهره عن الكرسي وقد رسم ابتسامة جانبية وأمسك بالمكنسة وبدى يحرك ثغره كما لو يحدث نفسه بشرود.
نظرت إليه بلا حيلة قبل أن أنسحب لأصعد أنا أيضاً وأخذ اكياس المشتريات في طريقي.
نظر أبي إليهما بنظرات حارقة مدركاً لوجود خطب ما بينهما، فمنذ أن جلست الآنسة كتاليا على طاولة العشاء لم تتفوه ولو بكلمة وتتعمد تجاوز النظر إلى دانيال، في حين كان دانيال منذ عودتها يبدو في حال معاكسة تماماً! مزاجه جيد ويلقي الطرف هنا وهناك وينظف بأريحية ولم يوبخ لاري على كسر زجاجة مسحوق الفلفل وانما أنبه بلطف وحبور! وهذا. أمر مغاير تماماً لطبيعته الوحشية!
هل معرفة أن المدعو ريتشارد يكون شقيقها أمر مريح للأعصاب إلى هذا الحد؟
إن كان الأمر كذلك.
فهل أبالغ في تفكيري حول أن أمرها بالفعل يهمه بطريقة مختلفة؟
حدقت إليه لأراه يمضغ طعامه وقد بدت ملامحه شديدة الإسترخاء، نظرت إلى الآنسة كتاليا ووجدت التجهم والحزم لا يزال متربعاً على وجهها منذ ذلك الحين!
كسر صوت أبي الصمت وهو يسأل لاري بهدوء: أخبرني لاري، ما رأيك لو خرجتَ إلى المتحف الأحيائي الذي رغبت في زيارته مع رفاقك في الرحلة المدرسية؟
طرف لاري بعينيه بعدم تصديق وانتابه الحماس الشديد ليبتسم بسعادة: أبي أريد زيارته! هل ستأخذني إلى هناك؟
أعقب بفرح وقد اتسعت ابتسامته: أخبرني أصدقائي أن المكان رائع جداً ويوجد مئات أصناف الحشرات والحيوانات والأحافير القديمة! أريد الذهاب طبعاً.
أومأ أبي وقال يترقب ردة فعله بينما يسند مرفقه الأيمن على الطاولة: وماذا لو ذهبت أيضاً إلى الغابة الإستكشافية التي تضم مختلف أنواع الحشرات البرية والبحرية؟
تلألأت عينا لاري ولمعتا ببريق حالم مترع بالسرور وهو يقول متأثراً: أبي.! هل حقاً ستأخذني إلى هناك؟ رأيت هذه الغابة على الانترنت فقط! يدخل الزائرين كمجموعات لإستكشاف الحشرات ويمكنهم اصطياد نوع واحد فقط كمكافأة قبل رحيلهم!
تمتم كيفين ببرود: كفاكم حديثاً عن هذا الشأن على طاولة العشاء!
ولكن أبي قال بهدوء يعيد ناظره إلى طبقه قبل أن يلقي نظرة ترقب على لاري: إذاً يمكنكَ الذهاب، اقترحت الآنسة كتاليا أن تأخذك بنفسها إلى هناك.
انتابني التعجب الشديد لسماع ذلك! هي من اقترحت هذا؟ لتعوضه عن تلك الرحلة؟
اتسعت عينا لاري بذهول وقد اختفى حماسه تماماً في حين نظر دانيال إليه ورفع كتفيه بتبرم: لا تضع شروطك الآن وتزعجنا! إن أردت الذهاب فافعل هذا وحسب.
نظر لاري إلى الآنسة كتاليا بإستنكار شديد قبل أن يعترض وقد تورد وجهه بحنق: أبي هي السبب في منعي من الذهاب إلى الرحلة فلماذا عليها أن ترافقني!
أجابه أبي ببرود: سلوكك السيء من منعك من الذهاب هذا أولاً، وثانياً هي من اقترحت الأمر لذا سترافقك، لا أحد هنا مستعد لفعل هذا.
أعقب بجدية: لديها إجازة ويمكنها أخذك إلى هناك.
تذمر بعدم رضى وقد علا صوته بإنزعاج: لا أريد! سأذهب مع كارل. لديه اجازة من العمل أيضاً!
تدخلت بهدوء: لا أستطيع.
عقد حاجبيه بإستياء: إذاً مع دانيال عندما لا يكون المحل مكتظاً!
أشار دانيال بيده بلا اكتراث: لا أهتم بعالم الحشرات الخاص بكَ لاري. ابقى بعيداً عني.
نظر لاري بيأس إلى كيفين فقال الأخير ببرود: لا تحلم بهذا حتى.
ابتسمت الآنسة كتاليا وتدخلت بلطف: لا داعي لكل هذه الحواجز لاري، دعنا نذهب معاً واستمتع بقضاء وقتك هناك، في الحقيقة أكره الحشرات وينتابني الذعر منها لذا ستكون هذه النقطة في صالحك سأبقى بعيدة عنك وأتركك لتقضي وقتاً ممتعاً كما تشاء!، وأيضاً لا أمانع ان رغبتَ في أن يرافقك أحد زملائك المقربين، ما رأيك؟
أخفض لاري عينيه نحو طبقه برفض واضح.
عقد حاجبيه وجابت الأفكار فوق رأسه ليبدو مشتت الذهن قبل أن ألمح على وجهه مكراً قد أخفاه ببراعة!
التعليقات