الفصل السادس والخمسون]]
رواية
•~•~•~•~•~•~•~•
“هل أن تضمن بقاء قلب يحبك يعني أن تستبيح العبث به.. أن تعيث فسادًا فتروع طمأنينته بعد أن كلفك مهمة إحيائه.. لقد أحدثت في أعماقه جرحًا غائرًا لا يداويه ما تبقى من عُمره القادم ولا يلتئم بإثبات براءة!!’.
•~•~•~•~•~•~•~•~•
أحدثت إطارات سيارته صريرًا عاليًا وهو يتوقف فجأة أمام بوابة المزرعة، ترجل من السيارة ثم صفق بابها على عجلة من أمرها ليندفع داخل المزرعة مُباشرة حتى التقى بصديقه الذي يقف مع زوجته يتحدثان بملامح متوترةٍ وما أن أبصره “نوح” حتى ترقب قدومه بينما تكلم الأخيرة بنبرة قلقةٍ:
-مفيش أخبار؟!! مش موجودة في أي مكان؟!!
أومأ “نوح” سلبًا بأسف شديدٍ قبل أن يدور “تليد” حول نفسه ويجوب المزرعة بعينيه في نظرة شاملة مترقبة، نفخ بقوةٍ قبل أن يقول في حيرةٍ:
-إزاي طيب.. دي مش عند علَّام حتى شروق موجودة معانا في المستشفى.. هتكون راحت فين؟!
تنحنح “نوح” قليلًا قبل أن يربت على كتف صديقه ويقول بلهجة ثابتة يبث فيها بعض الكلمات المطمئنة:
-صلي على النبي واهدى.. وَميض مش عيلة صغيرة.. أكيد لمَّا فضلت لوحدها بالشقة حست بالخوف فراحت عند صديقة قديمة ولا حاجة!!
مسح “تليد” على وجهه وغرة رأسه قبل أن يصيح متشنجًا قلوقًا:
-طيب وتليفونها مقفول ليه؟! ليه مكلمتنيش وقالت إنها خايفة وأنا كنت جيت خدتها؟!
نوح بتنهيدة حارة يوجِد لها عذرًا:
-يمكن تليفونها فصل شحن يا تليد.. أهدى شوية.. إن شاء الله هتكلمك في أقرب وقت ويمكن نلاقيها واقفة قدامنا دلوقتي.
تنحنحت “مُهرة” في ارتباكٍ وحُزنٍ قبل أن تردد بصوت خافتٍ:
-هعمل لكم ليمون وجاية يا نوح.
أومأ مؤيدًا فكرتها فأسرعت نحو مطبخ المزرعة لتحضير المشروب من أجل تهدئة التوتر الغالب على الأحداث منذ حادثة ابن عمه مرورًا باختفاء زوجته.
بدأ “تليد” يروح ويأتي داخل مساحات المزرعة في توتر، يشعر بصعوبة بالغة في التنفس واشتداد في كافة أعصابه ولم يكف للحظة عن محاولة الاتصال بها وبقى لسانه لا يردد إلا أدعية لحفظها من كل مكروهٍ، لم يشعر براحة بل تزداد نفسه ذعرًا وكأنما خُلع قلبه من مكانه وصمة أحد ما يعتصره بين قبضته، تبادرت فكرة أن تكون قد ذهبت إلى نجلا إلى ذهنه ولكنه استنكر الأمر تمامًا واستبعده ورغم ذلك لم ييأس سؤال الأخيرة التي أجابته نافيةً بنبرة ملهوفةٍ قلقةٍ، لم تزيده إجابتها إلا اختناقًا.
في هذه اللحظة وجد هاتفه يرن فخفق قلبه بقوةٍ يتعشم أن تكون هي المتصل ولكن خاب أمله حينما أبصر اسم والده على شاشة الهاتف فأجب بنبرة مخنوقةٍ رغم ثباتها:
-أيوة يا حج؟!
جاءه صوت “سليمان” يتهلل فرحًا قائلًا:
-عُمر خرج من العمليات والخطر زال عنه ونقلوه لغرفة العناية.
ابتلع “تليد” غِصَّة مريرة في حلقه ورد بخفوتٍ:
-الحمد لله.
تساءل الشيخ متوجسًا نبرة صوت ابنه التي تبدو حزينة للغاية:
-مالك يا بني؟؟ فيك أيه؟؟
لم يرد الأخير اقلاقه فأردف تنهيدة ممدودة بعُمقٍ:
-الحمد لله كله بخير.. أنا بس كُنت قلقان عليه شوية.
سليمان بابتسامة هادئة:
-مفيش داعي تيجي بقى لأن محدش هيدخل له النهاردة.. بكرا بمشيئة الله.. أنا هفضل قاعد الليل كله في الاستراحة اقرأ له شوية قرآن لحد ما يفوق بالسلامة.
تليد بلهجة ثابتة:
-ماشي يا حبيبي.. ربنا يعينك.
أغلق المكالمة مع والده ليأتيه “نوح” بكوب العصير ثم يمده إليه وها يقول بنبرة حزينة تؤازر حالة صديق عمره:
-خُد أشرب الليمون دا.. أهدى.. إن شاء الله الوضع مش هيكون مستاهل كل خوفك دا.
التقط “تليد” الكوب منه ثم تابع بأنفاسٍ ساخنةٍ:
-فكرة إنها تبات برا بيتها ومن غير ما تقول لي وتليفونها يتقفل فجأة يستاهل يا نوح.. يستاهل الخوف والتوتر والقلق والغضب.. هي لو كويسة فعلًا ليه هتعمل فيَّا كدا وهي عارفة كويس إنها هتخلع قلبي عليها!!
سكت هنيهة ثم أضاف باختناقٍ أكبر:
-وَميض مش كويسة يا نوح.. أنا قلبي مقبوض وإنتَ عارف ومجرب احساسي لمَّا يكون قوي ناحية حاجة معينة!!
مال يضع الكوب على الأرض دون أن يرتشف شيئًا منه ثم استقام مرة أخرى قبل أن يدعك جبهته ويقول في تيهٍ:
-وبعدين يا نوح.. أنا هفضل واقف متقيد كدا؟! دلني!
نفخ “نوح” بانفعالٍ قبل أن يردد بضيقٍ وحيرةٍ:
-مش عارف.. أنا بقول نستنى شوية يمكن تليفونها يتفتح وجايز ترجع؟؟؟ لأن مفيش حل تالت أو كلم علَّام وسهير يمكن يدلوك على صاحبة ليها أو حاجة؟!!
أومأ “تليد” منصاعًا لحله الثالث، أجرى اتصالا سريعًا بعلَّام الذي أجابه بلهفةٍ حول عودتها إلى بيتها، نفي “تليد” عودتها ثم تساءل بلهفةٍ:
-وَميض كان ليها صاحبات في الشغل مثلًا أو المنطقة؟؟ قولوا لي على أي عنوان أروح له؟!!
نادى “علَّام” على زوجته ثم أعاد سؤال الأخير على مسامعها فبدأت تعتصر رأسها ثم رددت بنبرة متوترةٍ:
-في دينا.. كانت زميلتها في الشغل وعنوانها •••••
تكلم “علَّام” متلهفًا:
-ما تروحش من غيري يا تليد.. أنا جاي أدور عليها معاك.
أسرع “علَّام” بإغلاق المكالمة قبل أن يهرول مُسرعًا خارج الشقة للحاق بـ “تليد” والتكاتف معه من أجل الوصول إلى ابنته، ارتجفت أطراف “سهير” وهي تلتقط هاتفها ثم تتصل بوِسَام، كررت اتصالها به مِرارًا حتى أجابها بنبرة حادة فصاحت به في غيظٍ:
-إنتَ عملت في بنتي أيه؟؟ وليه مرجعتش لبيتها لحد دلوقتي؟؟
زم شفتيه وردد ببرودٍ:
-بنتك؟! أه نسيت أقول لك إني لمَّا وصلت البيت مالقيتهاش أصلًا.
خفت حدة نبرتها المتوترة قليلًا وصدقته في الحال وهي تتساءل متوجسةً:
-يعني إنتَ مشوفتهاش النهاردة أصلًا!!
أردف نافيًا بلهجة ثابتة:
-لأ.
أغلقت المكالمة ما أن وصلها رده، ابتلعت ريقها على مهلٍ قبل أن تتابع بنبرة قلقةٍ:
-هتكون راحت فين يعني؟!!
(على الجانب الآخر)..
أخذت تقاومه بقوةٍ واهيةٍ وهي تضرب صدره بقبضتيها لإبعاده عنها بينما حاوط خصرها بذراعيه ثم شد عليه حتى رفعها ثم وضعها على الفراش فصرخت باكيةً وهي تحاول الفرار بعيدًا عن هذا السرير بعد أن غرست أسنانها في جلد يده فصاحت بدموعٍ غزيرة تتوسل إليه:
-لأ يا وِسَام.. سيبني أمشي.. ابعد عني أبوس إيدك!!
أخذت تتلوى بقهرٍ بين ذراعيه حتى سقطت على الأرض مرة أخرى فقرر أن يتركها حتى تفقد وعيها تمامًا ويغشى عليها وما هي إلا لحظات حتى خارت قوتها تمامًا فحملها بين ذراعيه ووضعها بالفراش لتشتعل نشوة تستقر في أعماقه لقربها، بدأ يبتلع ريقه بلهفةٍ وعيناه تتجولان على تفاصيل جسدها المستور فلم يُشبع فضوله هذه الملابس فقرر أن يجدها منها ويحصل على ما رغب فيه واحتبس داخله لسنواتٍ، لقد أرادها زوجة له وعاش لحظاته يتخيلها مِلكًا له حتى جاء ذلك المتطرف من وجهة نظره وسرق أحلامه معها منه، تحرك يميل عليها وبدأ في فك أزرار سترتها بعد أن فقدت ما تبقى من وَعيها ويقظتها وما أن انتهى حتى بدأ ينزع السترة عن جسدها ليظهر أمامه كتفيها العاريين فيبتلع ريقه بشهوةٍ وتتسع حدقتيه راغبةً في المزيد فأسرع يمزق حمالات السترة الداخلية قبل أن تضرب رأسه يقظة سريعة فيتوقف عما يفعل وهو يطالع ملامحها الساكنة بعينين دامعتين يستنكر ما يفعل بها مستغلًا ضعفها وقلة حيلتها، تبادر إلى ذهنه كل اللحظات الطيبة التي قضياها معًا وكيف كانت تحبه وتدعمه كأخٍ وصديقٍ، ولكن هذه النهاية الطبيعية لفتاة رأت في مصادقة الرجال أمرًا عاديًا وشائعًا وكيف تتحول المشاعر من وِد أخوي إلى نيران عشق مُشتعل إما من الطرفين أو على الأقل طرف واحدٍ!!.. حُرم اتخاذ الفتيات أخدانًا لهن لأن القلب لا يميز تلك الكلمات المجردة من صداقة وأخوة.. فتجد نفسك بين يوم وليلةٍ غارفًا في الذنوب والمعاصي.. تنبهر بما أقسمت على عاديته يومًا!!
تراجع بأكف مرتعشة آملًا أن تصفح عنه وربما تحبه يومًا لأنه لم يمسها بسوءٍ أو يحظى بما لا ترغب في منحه إياه، فقرر أن يكتفي فقط بتفريقها عن زوجها ووقتها سيتوسل ويتودد إليها حتى تعود إليه مرة أخرى.
قام بنزع سترته العلوية حتى صار عاريًا تمامًا ثم جلس بجوارها وطفق يمزق حمالات سترتها حتى تتعرى كتفيها تمامًا ويظهر في الصورة عُريها من جميع ملابسها ثم غطى جسدها وجسده بملاءة وحرص على إظهار كتفيها العاريين فقط ثم بدأ يلتقط صورًا لهما معًا لإضمار النيران في قلب الأخير وإثارة جنونه فهو الشيخ الذي لا يقبل تدنيس شرفه الذي هو بمثابة قطعة قماش ناصعة البياض، يُدرك “وِسَام” أن رجولة “تليد” لن ترحمه ولن تقبلها على ذمته مرة ثانية، فلا فرصة لها إن مس الأمر شرفه.
•~•~•~•~•~•~•~•~•
“في صبيحة اليوم الموالي”
تحركت أهدابها المنتفخة بثُقل كبيرٍ وشعرت بسهام حادة مصوبة إلى رأسها من كثرة الصداع، بدأت تفتح عينيها تدريجيًا قبل أن تحدق بجحوظٍ وهي تنظر إلى سقف الغرفة وذكريات ما حدث بالأمس تقفز بوحشيةٍ إلى عقلها، شهقت مرتابة وهي تعتدل في نومتها جالسةً قبل أن تنظر بجنون على حالتها وشكل ملابسها الممزقة، مررت أصابعها المرتجفة على كتفيها العاريين في صدمةٍ كاسحةٍ قبل أن تنزل بعينيها على ملابسها السفلية وبالتحديد بنطالها فوجدته مُغلقًا ولا يوجد به آثار للمسات، أسرعت تبتلع ريقها بصعوبة ثم أجهش باكيةً بحُرقةٍ وخوفٍ قبل أن تتدلى مسرعةً بمشاعر مُشمئزةٍ عن الفراش ثم تجاهد رغم انتفاضها أن ترتدي ملابسها بأسرع ما يمكن وعيناها لا تتوقفان عن مراقبة الباب تنتظر هجومه عليها مرة أخرى في أية لحظة، انتهت من ارتداء جلبابها قبل أن تهرول كي تلتقط حقيبتها ثم تفكر مليًا في كيفية الفرار منه أو محاولة الوصول إلى زوجها ولكن عيناها وقعت على ورقة بجوار الحقيبة مكتوب بداخلها أنه لم يمسها بسوءٍ ولم يستطع قلبه أن يفعل وعليها أن تسامحه ونوه أنه غادر المدينة تمامًا ولكنه سيعود إليها قريبًا بعد أن تبدأ خطته في تفريقها عن زوجها.
حررت صرخة مضنية من أعماقها وهي تجثو على ركبتيها منهارةً بالأرض ثم طفقت تلطم وِجنتيها بمرارةٍ وحسرةٍ، ماذا ينوي أن يفعل لها؟! لماذا يستكثرون الفرحة عليها؟! هل زوجها استحق امرأة أكثر وَعيًا وتدينًا منها فيعاقبها الله بالفراق عنه؟! أم كُتب في قدرها ألا تهنأ وتظل أبد الدهر شقية؟؟ ماذا سيفعل بها الآن؟! ربما يطلقها أو يهجرها وفي الحالتين لن يتحمل قلبها الافتراق عنه، كيف يفترقان وقلبها عُقد بقلبه ونبضاتها تعيش بزاد قلبه!!!
تحاملت على ساعدها حتى نهضت من مكانها قبل أن تجر قدميها خارج الغرفة ثم خارج البناية بأكملها وقلبها يسألها بتيهٍ ما مصيرها وإياهُ من حبيبٍ خذلناهُ؟؟؟
•~•~•~•~•~•~•~•
نهشت اللهفة قلبه وهو يجلس على دِكته المعتادة بالميناء وداخله كل اليقين بأنها ستعود في أقرب لحظة بل وخلال هذا اليوم، كانت رغبته في رؤيتها أمام عينيه تتفاقم وتزداد، جلس يفرك كفيه معًا يراقب بترقبٍ أوجه كل العابرين في انتظار اقتناص عينيه لعينيها، كانت لحظات قاسية ومُدمرة لأعصابه ورغم ذلك يقينه لم يقل قدر إصبع عن رجوعها اليوم.
غادرت سفينة ضخمة الميناء، فزفر بأنفاسٍ ساخنةٍ مستسلمًا لانتظار القادمة التي ربما تكون حبيبته على متنها؛ فيُهرول إليها حتى تحاصرها ذراعيه ويبقيها على صدره إرضاءً لقلبه الثائر، يعاتبها بودٍ واشتياقٍ ويخبرها أن حبيبهما زال عنه الخطر وزال الخطر عن قلبه أيضًا فور رؤية عينيها!
أطرق يضع وجهه بين كفيه منكس الرأس في شرودٍ، قبل أن يستقر قارب خاص بالمرساة فينزل منه رجل بحِلة سوداء رسمية ثم يمد كفه لها فتتشبث به أثناء خروجها من القارب حتى صارا واقفين على اليابسة وهنا تابع الرجل بلُطفٍ:
-تحبي أكون معاكِ!!
فركت “سكون” كفيها معًا وهي تردد بكلمات مبعثرة أثناء تجول عينيها بالمكان:
-مفيش داعي..
توقف عن الكلام فجأة وتسمرت في مكانها مصدومةٍ وهي تمعن النظر في ملامح ذاك الرجل الجالس على بُعد أمتار منه، إنه كاسب؟! ابتلعت ريقها على مضضٍ قبل أن تتابع وهي تتحرك من أمام الرجل صوب الأخير:
-لحظة بعد إذنك.
سارت صوبه بقلبٍ هلعٍ يخفق بلا هوادة، فكانت تتقدم منه تارة وتتأخر أخرى في تردد مُهلِكٍ حتى رفع بصره ناظرًا أمامه ليتفاجأ بها تتحرك نحوه، هبَّ واقفًا في مكانه وصوت تهلل قلبه يضرب أعماقه قبل أن يندفع نحوها ثم يقبض على ذراعها ويجذبها إلى صدره قائلًا بزفير مضطربٍ:
-وَحشتيني!!
أغمضت عينيها بألمٍ مُدوٍ ينفجر بقلبها فسقطت دموعها فورًا وهي تقول بأنفاسٍ لاهثةٍ:
-عُمر!!
كان يشد من ضمته لها فيقبل رأسها تارة ويمسح على ظهرها أخرى مرددًا بتنهيدة حارة كالذي دبت فيه الروح مرة أخرى:
-عُمر كويس.. الحمد لله.. مبقاش في أي خطر على حياته وسمحوا لنا بزيارته النهاردة.
في هذه اللحظة وَجد قبضة تضغط على ذراعه وصوت حادٍ يقول:
-ابعد إيدك دي عنها.
رفع “كاسب” بصره نحو الصوت قبل أن يقطب ما بين حاجبيه في نفس اللحظة التي ابتعدت فيها عن ذراعيه ليكفهر وجهه بغضب كامنٍ وهو يقول:
-إنتَ مين أصلًا!!
ابتلعت ريقها على مهلٍ حينما وجدته يتوجه بنظراته المتسائلة إليها فردت بنبرة متلعثمةٍ:
-زين.. زميلي في الرحلة وبقينا أصدقاء حاليًا.
رد الأخير بسماجةٍ وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
-حاليًا دي معناها إني في انتظار قبولها عرض جوازي منها.
التفتت “سكون” ترمقهُ بنظرة معاتبة قبل أن يمد يده ثم يعانق كفها بكفه أمام نظرات “كاسب” الذاهلةً فيهما؛ تشنجت فرائصه ما أن أمسك الأخير كفها فأسرع يقبض بشراسة على رسغه ويقول بلهجة محتدةً بالغضب الشديد:
-شيل إيدك!.
استجدته بنظرات هادئة أن يفعل فتركها على الفور بينما قبض “كاسب” على ذراعها بغيظٍ مكتومٍ ثم سحبها أمامه إلى السيارة وما أن فتح بابها حتى صاح بلهجة نارية:
-ادخلي.
استدار للجهة الأخرى من السيارة حتى جلس أمام مقعد القيادة وصفق الباب خلفه بغضبٍ مُشتعلٍ، طفقت تأخذ نفسًا عميقًا داخله ثم تخرجه في شكل زفيرٍ متروٍ بطيء قبل أن تلتفت بجسدها كله نحوه ثم تقول باحتجاجٍ كبيرٍ:
-أيه اللي إنتَ عملته دا؟!! إنتَ مين في حياتي أصلًا علشان تجرني وراك زيّ الحيوانات وتتحكم فيَّا!!
كاسب وهو يبتسم ابتسامة ساخرة ويرد:
-أنا يادوب مُخلفات مزاجك.. مزاجك اللي بتفرضيه عليا وبيتحكم في شكل علاقتي بيكِ.. بسيطة.
ضيقت عينيها في حدةٍ وصاحت مختنقةٍ:
-مزاجي بردو.. يعني مش كذبك وخداعك؟؟ إنتَ مش متخيل عملت فيَّا أيه؟! إنتَ سرقت ثقتي في كل حد يدخل حياتي بعد كدا.. فجأة كاسب اتحول لراجل عصابات متآمر عايز ياخد حقه بالدراع مش بالقانون ثم اكتشف إنه يبقى خال أخويا؟!!
مسحت على خصلاتها قبل أن تصيح بحنقٍ:
-سهل عليا كُل دا؟ سهل عليا أرمي كل حب ومشاعر الدنيا قدامك فتجمعهم وتعمل منهم سلاح ضدي!!!.. بتخيل في كل لحظة لو أنا حبيتك بس إنتَ محبتنيش كُنت هتعمل فيا أيه؟! كنت هتدمرني وتتحول لقاتل أو مغتصب.. اوعى تكون فاكر إنك كنت هتبقى بالطيبة دي.. إنتَ واصل للمرحلة دي علشان الحب اللي متحكم فيك.
نفخ بهياجٍ وهو يضرب مقود السيارة ثم يهدر بصوت رخيمٍ:
-وليه بتتوقعي السيء؟!! ليه تفكري في حاجة محصلتش أصلًا!!
سكون وهي تذرف الدموع وتقول بحُرقةٍ:
-علشان عقلي مش قادر يستوعب إن مشاعرك ناحيتي كانت مبنية على الاحتمالات؛ حبيتني أبقى في أمان.. محبتنيش تضيعني وتنتقم من حد بريء.. إنتَ مُتخيل إن ربنا علشان ينقذني من جحودك زرع حبي جواك علشان يعجزك ويوفقك عن اللي كُنت ناوي تعمله!!
كاسب وهو يصرخ في وجهها بعينين حمراوين من شدة الغضب والحزن:
-أه ربنا عجزني وفوقني في اللحظة الأخيرة وأه حبيتك والتوبة كانت بسببك.. ربنا تقبل توبتي تعاقبيني إنتِ!!
خفت حدة نبرته وهو يقول بلهجة مهزوزةٍ:
-سكون.. كفاية نوجع في قلوب بعض لحد كدا؟! سامحي وأوعدك إني أبذل ما في وسعي كله علشان ثقتك فيَّا ترجع تاني.
استدارت بجسدها للجهة الأخرى ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها تنظر عبر النافذة في صمتٍ وامتناعٍ رغبةً في اقتناص لحظة خاصة تفرغ فيها ما يتجول داخل روحها من طاقات مشحونة وسلبية.
•~•~•~•~•~•~•~•
ظل حاليًا منكس الرأس حتى الصبح أمام بوابة المزرعة عله يلمحها تأتي إليه من بعيدٍ قبل أن يفقد الباقي من ثباته واتزانه العقلي، التف كلًا من “نوح”.. “نجلا” و “علَّام” حوله رغبةً في مواساته، التاع قلب “نجلا” بوجلٍ أن يصيب مكروه ابنتها فطلبت من “ماكسيم” أن يتحرى جيدًا ويحاول أن يصل إلى نتيجة، ترجتهُ ألا يعود إلا بخبر يُجبر قلوبهم جميعًا، أخذت نفسًا عميقًا وهي تتجول بخطوات مضطربة أمام بوابة المزرعة قبل أن يأتيها اتصالًا من “ماكسيم” فترد بلهفةٍ:
-في أي أخبار يا ماكسيم؟!!
أجابها بصوت ثابتٍ:
-لحد دلوقتي لأ.. بس أنا وصلت لاحتمال قوي عن مكانها.
أسرعت تسأله بفضولٍ:
-فين؟!!
ماكسيم مجيبًا دون إطالة:
-كان ليها صديق اسمه وِسَام.. وارد جدًا تكون عنده!!
توترت أطرافها وهي تردد مستنكرةً بعد أن أخفضت صوتها للغاية:
-هتروح تبات في بيت راجل غريب إزاي يعني؟! مستحيل.
ماكسيم بتنهيدة قوية:
-نجرب بردو مفيش ضرر.
هزت رأسها في ثباتٍ قبل أن تقول بحسمٍ:
-طيب ابعت لي العنوان في رسالة وأنا هاجي وراك.
أغلقت المكالمة معه على الفور ثم تحركت مسرعةً بخطوات قَلقة ليتحرك “علَّام ” الذي لاحظ توترها خلفها قبل أن يسألها بتوجسٍ:
-عرفتي مكان وَميض؟!!
تبادر إلى ذهنه احتمالية معرفة “علَّام” منزل صديق ابنته فقالت بتنهيدة قوية ولهجة ثابتة وهي تحدق بقوةٍ داخل عينيه:
-تعرف عنوان وِسَام؟!!
أومأ فطلبت منه أن يتحرك معها في صمتٍ دون توضيحٍ أية معلومات عن وِجهتهما؛ ودعت “تليد” بكلمات واسية على أن تعود مرة ثانية في أقرب وقت قبل أن تنصرف ومعها علَّام مسرعين.
“على الجانب الآخر”..
شهقاتها المكتومة تتردد في صدرها بقوةٍ وهي تجلس داخل سيارة الأُجرة تلملم شتات نفسها وتحاول احتواء جسدها الذي يرتجف بصورة ملحوظة، كانت تنظر عبر النافذة والدموع تنسكب من عينيها ومرارة تسري كالعلقمٍ في حلقها، خائفة ومرتعبة من زوجها الذي بالتأكيد قد جن جنونه والتاع خوفًا على غيابها، كيف ستتواجه معه وبأي وجه؟ لقد حذرها مِرارًا من لفظ اسمه حتى فكيف سيفعل بها بعد أن يعلم بما حدث؟؟ سيقتلها ويقتل ذاك السافل دون تفكيرٍ، خرجت شهقة ضعيفة من بين شفتيها الرماديتين اللاتين غاب الدم عنهما من فرط الخوف والرهبة، قطب “السائق” ما بين حاجبيه قبل أن يردد في قلقٍ وهو ينظر عبر المرآة:
-إنتِ كويسة يا بنتي؟!
أومأت دون أن تنبس ببنت شفةٍ ثم أطرقت برأسها في ضعف وأخذت تجهش بأنفاسٍ مضطربةٍ ثم وضعت وجهها بين كفيها تتجهز لمواجهة زوجها بقلبٍ هلعٍ، كيف حاله الآن؟ هل تألم قلبه في غيابها؟ هل يبحث عنها بجنونٍ؟! والأهم ماذا سيفعل بها؟ وهل سيصدقها أم لن يغفر لها؟؟ بدأت شفتاها ترتجفان قهرًا ورُعبًا كلما نظرت عبر النافذة ووجدت أنها اقتربت من الوصول، أخذت تفرك كفيها معًا بقوةٍ وانفعالٍ وما هي إلا لحظات حتى أبصرت زوجها يجلس أمام بوابة المزرعة، تسارعت أنفاسها بانفعالٍ قاتلٍ واهتاج نبض قلبها بين ضلعيها لتتلعثم وتكابد معاناة في الكلام أثناء قولها:
-على جنب.
أوقف السائق السيارة أمام بوابة المزرعة مُباشرة لتترجل منها “وَميض” بخطوات مترددة ومتثاقلة فأبصرها “تليد” الذي انتفض واقفًا في مكانه ثم هرع بقلبٍ ملتاعٍ إليها وتبعه “نوح” الذي وقف يراقب الوضع بفضولٍ شديدٍ، أسرع “تليد” بالقبض على ذراعيها بكفيه قبل أن يحاصر مقلتيها بعينيه ثم يقول بأنفاسٍ مهتاجة وعينين متسعتين:
-كُنتِ فين يا وَميض من إمبارح؟؟
حدقت فيه بعينين تجمعت الدموع بهما، تسمرت في مكانها وتجمدت أطرافها وهي لا تجد ما تنطق به فصاح مكررًا سؤاله بجنونٍ:
-رُدي يا وَميض، كُنتِ بايتة فين طول الليل؟؟
ارتعشت أطرافها في انهيارٍ قبل أن تجهش باكيةً وهي تقول بنبرة مُتلعثمةٍ:
-مكنش قصدي يا تليد.. أنا ما أعرفش أيه اللي حصل.. أنا كان قصدي أرجع حقك.. كُنت عايزة أخد موقف وأوقفهم عند حدهم.. مكنش قصدي.. مكنش قصدي والله!
تبادل هو ونوح نظرات تساؤلية قبل أن يرخي ذراعيه عنها ثم يتساءل بشكٍ وريبةٍ:
-إنتِ بتقولي أيه؟ أنا مش فاهم حاجة، ارحميني وقولي كُنتِ فين؟! برج من نفوخي هيطير!
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تردد بشفاه مرتجفة وقطرات العرق تنسكب على جبينها:
-وِسَام.
تجمد في مكانه ينظر إليها بعينين مصدومتين في شدوهٍ فبدا غير مستوعبٍ ما تفوهت به للتو، انطلقت ضحكة مستنكرة من جانب شفتيه قبل أن يردد بأنفاسٍ ناريةٍ:
-وِسَام!!!!!
أومأت في ذعرٍ وبارتيابٍ فصاح بعينين يطق الشرر منهما وهدر:
-وروحتي عند وِسَام ليه يا وَميض؟؟
أتبع سؤاله بآخر يغمره الإنكار هادرًا مغلولًا:
-إنتِ أكيد ما نمتيش في بيته؟؟
انتفض جسدها من شدة الخوف حيث انفلتت أعصابه تمامًا وظهرت ثورة عاتية على قسمات وجهه وهو يقبض بشراسةٍ على ذراعها ويصيح بصوت جهوريٍ يرعد فيه بغضبٍ جامحٍ:
-انطقي.. إنتِ نمتي في بيته؟!!
وجد “نوح” أن الوضع تفاقم للغاية وأن حمم صديقه الغاضب اقتربت على أن تثور وتحرقها فأسرع يقبض على ذراع صاحبه قائلًا بتوترٍ:
-تليد.. خلينا نتكلم جوا.. الكلام في الشارع ميصحش!!
احتدت نظراته القاسية داخل عينيها فأسرعت تختبئ خلف “نوح” الذي وقف حائلًا بينهما وطلب منها بثباتٍ أن تذهب إلى الشقة وسيأتي زوجها خلفها ما أن يهدأ للحديث بشكلٍ لائقٍ، هرعت مُسرعةً إلى شقتها، همَّ أن يندفع كالسيل خلفها ولكن وقف “نوح” أمامه معترضًا طريقه ثم تابع بلهجة شديدة محذرةٍ:
-اسمع منها يا تليد قبل ما تحكم عليها.. يمكن مكانتش عنده وإنتَ ظالمها!!
ضغط “تليد” بقوةٍ ضاريةٍ على أسنانه قبل أن ينطلق خلفها وما أن فتح باب الشقة حتى وجدها تقف أمامه بجسدٍ ينتفض وجلًا، صفق الباب خلفهُ بقوة غاشمةٍ قبل أن يتابع بأنفاسٍ حارقة:
-وَميض.. رُدي عليَّا وريحي قلبي؟! إنتِ كُنتِ فين؟!
بدأ يفرك جبينه وهو يستكمل بأنفاسٍ مختنقةٍ:
-فهميني علشان خاطري.. اتكلمي.. أنا بموت؟! وأيه علاقة وِسَام بيكِ!!
تعثرت في كلامها وهي تضع كفيها على قلبها وتقول بتلعثمٍ:
-العنوان اللي جابه نوح يبقى عنوان وِسَام، أنا روحت علشان أتكلم معاه وأعرف مين اللي أدى له التسجيل!
صرخ صائحًا مزمجرًا وهو يقترب منها بعينين تقدحان بالشرر:
-ليه يا وَميض؟ ما عندكيش راجل يجيب لك حقك؟؟ مكنتش هعرف أخد حقي منه علشان تروحي له إنتِ؟!.
ضغط بقوةٍ على ذراعها يعنفها ثائرًا قبل أن يستكمل بريبةٍ:
-ودا أيه علاقته ببياتك برا البيت؟! روحتي فين بعد ما خرجتي من عنده؟!!
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وهي تقول ببكاءٍ شديدٍ:
-ما روحتش.
اتسعت حدقتيه ببوادر صدمةٍ، كل ما فات كان ينكره إنكارًا شديدًا من شدة ثقته بها ليبتسم ابتسامة متوترة ثم يتساءل بتوجسٍ:
-قصدك أيه؟! كُنتِ نايمة في بيته؟!!
ارتفعت شهقاتها وهي تردد بانهيارٍ:
-حط لي مخدر في العصير.
افجعته كلماتها وآلمته إيلامًا شديدًا، خفق قلبه يئن ألمًا عنيفًا قبل أن يحدق فيها بعينين مصدومتين:
-حط أيه؟!!
صرخ مُهتاجًا يتساءل في صدمةٍ وهو يهزها هزًا شديدًا كاد أن يقتلع كتفيها عن جسدها:
-حط لك مخدر ليه؟؟ كان عايز منك أيه؟! أيه اللي حصل بينكم، اتكلمي بقى!!!
انسكبت دموعها بغزارة وهي تقول بصوت متقطعٍ:
-محصلش حاجة بينا.. محصلش والله العظيم.. هو قال لي إن محصلش حاجة بينا.
في هذه اللحظة صدح هاتفه بإشعار وراء الآخر ينبئه عن وصول عدة رسائل متتالية فتركها مندفعًا نحو الهاتف وما أن فتحه حتى وجد عدة رسائل مرفقة ببعض الصور التي تجمع زوجته مع وِسَام في فراش واحدٍ يتغطيان بغطاء تظهر منه أكتاف زوجته العارية بينما يحتضنها وِسَام بين ذراعيه أثناء نومها.
تشنجت فرائصه وجاشت مراجله وهو يحدق بقوةٍ في وجه زوجته النائمة يحاول تكذيب عينيه، يحاول إنكار ما يرى، يحاول إثبات أن هذه العارية المباحة ليست زوجته التي حافظ عليها وستر جسدها وصانها حتى من نفسه؟؟ هل هكذا تُجازيه على عشقه لها؟! هل استحق هذه الفاجعة كمكافأة على صونه لكرامتها قبل شرفها؟؟ حاول وجاهد أن ينفي رؤيته لها ولكنه تواجه في النهاية مع الحقيقة المرة التي نزعت قلبه بعنف وهو حي، كسرت صورتها المثالية داخله بلا رحمة حتى تطايرت شظاياها وأصابت روحه فأدمتها بجروحٍ عميقةٍ، ابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغةٍ وهو يلتفت إليها قبل أن يقول بأنفاسٍ مُشتعلةٍ وعينين دامعتين:
-دي مش إنتِ صح؟!!
كانت تحدق فيه بنظرات متساءلة مرتابة قبل أن تمشي إليه بخطواتٍ مترددة ليوجه شاشة الهاتف أمام وجهها، شهقت شهقة مصدومة قبل أن تصرخ باكيةً:
-والله العظيم أنا ما أعرف أيه اللي حصل بعد ما شربت العصير.. صدقني يا تليد.. اللي في الصورة دا مش بإرادتي ولا في وعيي!!
تليد وهو ينفجر كاللغم في وجهها:
-يعني إنتِ؟!!
أومأت مذعورةً فانفجرت قذائف حممه عليها حينما سدد لها لطمة عنيفة جعلتها تصرخ بوجعٍ مُفجعٍ ولم يتحمل أكثر فقبض على عنقها وصرخ منفجرًا:
-إنتِ دمرتيني.. كسرتيني.. وَسختي شرفي.. دوستي بجزمة قديمة على رجولتي.. دا جزائي؟!
هدر بصوت هائجٍ:
-رُدي دا جزائي؟! ليه؟! عملت لك أيه؟! علشان تخلي كلب زيّ دا ياخد شرفي مني بكل برود ويحطني تحت ضرسه، وإنتِ رايحة له ما خوفتيش تخسريني بغبائك؟!
صارت تصرخ باكيةً وهي تضع ذراعيها على قبضته وتقول باستجداءٍ:
-مفيش حاجة حصلت يا تليد.. هو قال إنه ملمسنيش.. بيعمل كدا علشان يخرب بيتي ويبعدني عنك.
انطلقت ضحكة مصدومةً عالية من بين شفتيه وهو يصيح محتدًا بالغضب:
-والله؟! هيقلعك وينيمك على سريره ومش هيلمسك؟؟ أنا صبرت عليكِ وإنتِ مراتي علشان ما أخدش منك حاجة بالعافية وكُنت مستعد أصبر عليكِ عُمري كُله، وفي النهاية؟! حقي.. مِلكي.. شرفي كلهم راحوا لغيري.
كانت تشتد قبضته على عنقها دون أن يعي وكل ما همه في هذه اللحظة أن يصرخ ويثور، حدقت فيه بعينين متسعتين وبدأ الأكسجين ينسحب منها وهي تقول بأنفاسٍ خافتةٍ:
-هموت يا تليد!!
استفاق أخيرًا من سكرة غضبه القاتل الذي أوشك أن يقضي عليها فسحب قبضته عن عنقها فورًا قبل أن تردف هي بدموعٍ منهمرةٍ وقلبٍ مفطورٍ:
-حرام عليك.. ما تظلمنيش.. والله العظيم ما قرب مني.. وِسَام أجبن من كدا بكتير.
أسرعت تقترب منه ثم لمست خديه براحتيها وأردفت مرتابة تنتفض خوفًا منه:
-تقدر تتأكد.. والله أنا بريئة.. مكنتش أعرف إن كل دا هيحصل.. اتأكد يا تليد.. بس متظلمنيش وسامحني؟!!
في هذه اللحظة بدأ الباب يُطرق بقوةٍ وبدا “نوح” مرتابًا مذعورًا وهو يقول من خلف الباب:
-تليد.. افتح الباب.. خلينا نتكلم بعقل.
تكالب الوجع على قلبه ينهش فيه نهشًا فثار ثائره وجن جنونه ليبدأ في طرح كل شيءٍ حوله بالأرض، أقام الدنيا وأقعدها وعاث يدمر المكان وهو يصرخ هادرًا باكيًا:
-موجوع.
هرعت مسرعة صوب الباب ثم فتحته وهي تبكي مستغيثةً بالأخير الذي هرول إلى صاحبه وبدأ يقيد ذراعيه ثم يصيح بلهجة ثابتة:
-اهدى يا تليد.. اهدي بقى يا بني.. فهمني في أيه؟؟؟
صرخ “تليد” بقلب مخلوعٍ:
-موجوع يا نوح.. كسرتني.. حبيتها وكسرتني.. قدمت لها كل حاجة جوايا.. قدمت لي أيه؟! قدمت شرفي على طبق من دهب لواحد تاني!!
صُعق “نوح” من كلماته ليردف متوجسًا خيفة أن ما تبادر إلى ذهنه قد حدث خاصة بعد اعترافها أمامه أنها كانت بمنزل ذاك الخسيس:
-إزاي؟؟ مش فاهم؟!!
تليد وهو يلتقط الهاتف ثم يضعه أمام وجه الأخير ويهدر باختناقٍ:
-بسيطة يا سيدي.. مراتي.. مراتي نايمة في حضن واحد تاني وعلى سريره وبتقول لي محصلش بينا حاجة!!
انطلقت ضحكة ساخرة خرج معها ويلات صدمته وانكساره وهو يستكمل بانهزامٍ وعينين تفيضان بالدموع أمام صديقه المحدق في صدمةٍ:
-شربها مخدر.. قلعها.. نيمها في حضنه.. صورها.. بس رجعها لي صاغ سليم.. بتحاول تقنعني بدا يا نوح.
ألقى الهاتف بالأرض في عصبيةٍ مُفرطةٍ قبل أن يتوجه بنظرات نارية صوبها ويصيح:
-إنتِ فاهمة معنى الشرف غلط.. إنتِ بتطمنيني إنك سليمة؟! هو الشرف غِشاء بكارة بالنسبة لك؟! العِفة بالنسبة لك حتة جِلدة؟!.. إنتِ دبحتيني بسكين تِلم.. لا روحي عارفة تخرج ولا عارف أتجاوز الوجع.
قطب “نوح” ما بين حاجبيه يتساءل في نفسه حول هذه الجملة؟! ماذا تعني بالتأكد؟ هل مازالت عذراء ولم يلمسها صديقه حتى الآن؟!!
انهارت “وَميض” تجثو جالسةً على الأرض قبل أن تبكي مترجيةً الأخير أن يرحمها من نيران كلماته:
-كفاية بقى.. لو كُنت أعرف والله ما كُنت روحت.. صدقني بقى أنا مظلومة.. أقف جنبي.. ما تعملش كدا؟!!
همَّ أن يندفع نحوها بحمم تمور بسخونةٍ عاتية إلا أن “نوح” حاوط خصره ودفعه بقوةٍ يبعده عنها بينما صرخ “تليد” بانفعالٍ يتلظى نارًا:
-أنا مش عايز أبص حتى في وشك.. كسرتي أوامري وخرجتي عن طوعي ومشيتي بدماغك وأنا الست اللي ترمي كلامي ورا ضهرها متلزمنيش.
اندفع مُسرعًا صوب الباب فصاح “نوح” بارتباكٍ وقلقٍ:
-إنتَ رايح فين؟!!
تليد بصياح هادرٍ:
-المكان اللي المفروض أكون فيه دلوقتي.. يا أقتله يا يقتلني.
صرخت باكيةً وهي تنهض مهرولةً خلفه:
-هرب.. هرب والله.. هرب.. مش هتلاقيه يا تليد.
أسرعت إليه حينما استوقفه حديثها؛ فصاح “نوح” مؤكدًا على كلامها بثباتٍ:
-أكيد هرب.. هو مش بالغباء دا علشان يعمل عملته ويفضل في مكانه وهو عارف إنك هتوصل له.. ممكن تهدى وخلينا نفكر!!
تراجع عدة خطوات للخلف قبل أن يستدير مواجهًا لعينيها مُباشرة ثم يردد بجمودٍ وحدةٍ:
-مفيش مكان تاني بيروح عليه؟ ما إنتِ تعرفيه أكتر من معرفتك بجوزك.
تجرعت كلماته التي طعنتها بخنجر مسمومٍ ولكن يحق له أن يقول ما يشاء فهي التي أوصلته إلى هذه الحالة، أومأت سلبًا وهي تغمض عينيها فتنسكب الدموع بتدفقٍ على وِجنتيها قبل أن تردد بتوسلٍ شديدٍ:
-تليد.. استوعب بقى.. بقول لك ملمسنيش.. بيعمل كل دا علشان يفرق بينا.. تقدر تتأكد بنفسك إنها لعبة منه!!
زمجر بزئيرٍ عالٍ قبل أن يطبق أسنانه ثم يصيح ساخطًا:
-تاني بتقول لي اتأكد!!.. طيب يا وَميض هتأكد.
اندفع عائدًا داخل الشقة قبل أن يلتفت إلى “نوح” ويهتف به في لهجة شديدة:
-امشي يا نوح دلوقتي!!
حدق “نوح” فيه بنظرات مُحذرة بعد أن تأكد من ظنونه فاستنكر ما سيحدث بعد قليلٍ فصديقه ليس واعيًا على الإطلاق وهي لا تتوقف عن إثارة حنقه واستفزازه، تنحنح بتوترٍ قبل أن يردف بصوت خافتٍ:
-تليد.. اهدي وتعالى معايا نتكلم تحت في المزرعة.. انسى اللي بتقوله وَميض وتعالى معايا.. خاف عليها حتى؟! إنتَ مش متزن انفعاليًا دلوقتي!!
كز بقوةٍ على أنيابه قبل أن يكرر بلهجة صارمة وملامح متأججة من كثرة الاشتعال الذي نشب داخله:
-بعد إذنك يا نوح.. انزل.
ابتلع “نوح” ريقه على مضضٍ قبل أن ينصرف متوجسًا أذية صديقه لها، صفق “تليد” الباب بقوة قبل أن يلتفت إليها ثم يردد بصوت رخيمٍ وهو يندفع إليها قابضًا بعُنفٍ على ذراعها:
-تعالي.
خارت قوتها الواهية وتحاملت على قدميها بينما يجرها خلفه للغرفة، حاولت اخفاء خوفها من أن يكون “وِسَام” كاذبًا ولن تجدي محاولتها إثبات عفتها نفعًا، دفعها بقوةٍ ليرتطم جسدها بالفراش وبنبرة غليظة صرخ ساخرًا:
-بقى هو دا شكل اليوم اللي أنا استنيته عمري كله؟! بحاول فيه أثبت لنفسي إن شرفي لسه في مكانه؟!
اعتدلت جالسةً على الفراش قبل أن تتوسل إليه باكيةً تناشد اللين فيه:
-سامحني.. مكنش قصدي ادمر أحلامك.. أنا غبية بس إنتَ مش هتبعد عني، صح؟! أنا وَميض؟! حبيبتك؟!!
ابتسم بسخرية ورد:
-دا ضمانك لوجودي مش كدا؟! إني بحبك، إنك تغلطي وتتمادي وأغفر لك علشان ارضي قلبي وإنتِ معايا؟؟ بتستغلي مشاعري وإني مش هقدر أبعد عنك؟؟
مال عليها بجذعه العلوي ثم اقتنص مقلتيها بعينيه الحادتين وقال بانكسارٍ بدا جليًا في رعشة أنفاسه المضطربة:
-باين عليَّا إني بتنفس قربك؟! باين أوي عليَّا إني أضعف بني آدم على وجه الأرض بسبب كسرتك ليا؟!
لم يمنحها فرصة الرد وهو يصرخ مهتاجًا ويبدأ في تمزيق سترتها بغيظٍ مستعرٍ، بكت مذعورةً من تحوله ولكنها تركته يفرغ غضبه بالطريقة التي ترضيه والتي استحقتها، لقد دمرت تخيله بليلة زوجية سعيدة يتناثر من حولهما الورود وتفيض مشاعرهما المستعرة بلُطفٍ ومودةٍ، لقد أحدثت في أعماقه جرحًا غائرًا لا يداويه ما تبقى من عُمره القادم ولا يلتئم بإثبات براءة.. غاب عن السيطرة على نفسه تمامًا وتقدم فيما يفعل لا يعلم هل انتقام لقلبه المكلوم أم عقاب لها أو ربما رغبة جامحةٍ في بعض اللحظات معها حتى وإن كان قلبه ينهار أو يلتهمه صدأ خيبة الأمل!!
•~•~•~•~•~•~•~•
أوقف “كاسب” سيارته على الجانب الآخر من بوابة المستشفى الرئيسية ثم امتد بصره إلى البوابة قاطبًا حاجبيها حينما رأى ازدحامًا شديدًا أمام البوابة من قِبل عربات الشرطة وبعض الصحافيين بينما ابتلعت “سكون” ريقها على مهلٍ قبل أن تلتفت إليه وتتبادل نظرات تساؤلية معه ليترجل مندفعًا من سيارته وتفعل هي أيضًا قبل أن يستدير نحوها ثم يقبض على راحتها بين راحته مرددًا ببعض الشكٍ:
-عثمان السروجي وِقع.
كان ينظر صوب الحشد مُباشرةً قبل أن تلتفت إليه فورًا بعينين متسعتين في ذهولٍ تجمعت الدموع بهما لتردد بصوت مخنوقٍ:
-جايين ياخدوا بابا؟!!
كاسب وهو يتنفس بقوةٍ وراحةٍ لا مثيل لهما ويرد ضاغطًا بقوة على راحتها:
-تخمين وما تحاوليش تسيبي إيدي علشان مش هتخلصي من الصحافة.
لم يلبث أن أنهى جملته حتى وجد “عثمان” يخرج من بوابة المستشفى محاطًا بعدد كبيرٍ من رجال الشرطة وذراعيه مقيدان بالأصفاد وخلفه “نبيلة” التي تسير في حراسة أكثر من ضابطٍ بينما يحاول الصحافيين توجيه بعض الأسئلة لهما ولكن الوضع تم السيطرة عليه بحزمٍ، شهقت “سكون” شهقة مروعة قبل أن تهرع مفلتةً يده في محاولة يائسة للحاق بهما وهي تصرخ أثناء محاولاتها اجتياز الحشد المهول من الناس للوصول إلى والدها:
-باااااااااااباااااا.
انهمرت دموعها بانفعالات هائجةٍ وهي تحاول الوصول إليه ولكن رجال الشرطة منعوها من التقدم بعد أن أغلقوا أبواب السيارة وحجبوا رؤيتها لهما، هرول “كاسب” خلفها مرتعبًا أن يتعرض أحد لها حتى وصل إليها في النهاية فأسرع يقف خلفها ثم يحيطها بذراعيه مبقيًا إياها بالمنتصف لتنتبه الصحافة حول وجودها ويهجمون عليها لتوجيه أسئلتهم المُلِحة بينما صرخ “كاسب” بصوتٍ جهوريٍ حَنِق:
-ابعدوووووووا.
التفت ينظر إلى أحد الصحافيين الذي أصر على الاقتراب أكثر منها وصرخ منفجرًا بشراسةٍ:
-بقول لك ابعد.. فايق للكلام ولا أفوقك!!!
دفعه بعنفٍ شديدٍ قبل أن يسير بها حريصًا ألا تتأذى شعرة منها حتى تجاوزوا بوابة المستشفى وأُغلقت الأبواب خلفهما.
•~•~•~•~•~•~•~•~•
كان معتلي جسدها بضخامته، أراد أن يعاقبها على استفزازها له، أرادها أن تُدرك أن إثبات براءتها لا يعني له شيءٌ؛ فالاثنان واحد ولكن مشاعره المتأججة غضبًا تحولت إلى أخرى غابت إلى عالمٍ آخر محاولًا إخماد رغبته فيها ولهفته عليها ولكنه كلما غاص في عالمه الخاص معها كلما ازدادت رغبته فيها أكثر وكأنه لا يجد نهاية لضعفه الذي يحتله وهي بين يديه، أسرع بسحب نفسه من هذا العالم بسرعة قبل أن يغرق دون عودةٍ، انتهى من المهمة التي استفزته لفعلها وكانت بعض قطرات الدماء هي إثبات واضح لبراءتها وما أن رأى ذلك حتى ستر جسده ثم نهض مندفعًا بغضبٍ داخل الحمام، خُدشت رجولته تمامًا لحظة أن ذهبت إلى بيت رجل آخر فاستحل لمس جسدها وإطلاق العنان على تفاصيل جسدها ووضعها بفراشه، ماذا تعني عُذريتها بالنسبة له حينما يطعنه خسيس بصور تجمعه بزوجته وهي تنام عارية بين ذراعيه؟! لماذا لم تعي تحذيراته والعمل بها؟! هل طاعة الزوج تعد ضعفًا من المرأة في هذا الزمان؟! هل احترام رغباته يعد كبتًا لحريتها ورغباتها المعاكسة؟! لماذا لم تنصت له؟! لماذا سلمت عنقه لرجل آخر ينحر فيها بلا رحمة!!، لماذا تستنكر حدسه وتحذيراته؛ فالرجل يفرض تحكماته لا بغرض القسوة إنما بغرض السيطرة على الأمور واحتواء المواقف؛ فهو إن أخطاء مرة يُصيب ألف مرة.
لم يعد يتحمل البقاء صامدًا أكثر من ذلك فانهار باكيًا بلوعةٍ أضنت قلبه وخرجت صرخة عاتية من أعماقه ثم اندفع نحو المرآة وسدد لكمة عنيفة بها فانشق زجاجها، انتفضت مرتعشةً وهي تجمع ساقيها إلى صدرها بعد أن ارتدت ملابسها، لتجده وبعد لحظات يخرج عليها بكف يقطر الدم منه ثم يقول بلهجة حادة:
-اللي حصل من شوية مش هيغير حقيقة دبحك ليا، سامعة!!.. إنتِ من النهاردة بالنسبة لي ميتة.
شهقت بمرارة وضعفٍ كبيرين قبل أن تتحرك مسرعةً إليه ثم تقبض على كفه الذي ينزف وهي تقول برجاءٍ وتوسلٍ:
-لأ يا تليد.. بالله عليك!!
اتقدت عيناه شرًا وهو يدفعها بعيدًا عن طريقه بقوة ضارية؛ فكانت المرة الأولى التي لم يرق لسقوط دموعها ولم يتأثر، باتت عيناه أكثر قسوةً وغموضًا ثم صرخ بصوتٍ رخيمٍ:
-إنتِ طالق يا وَميض.
التعليقات